الصوم ألاربعيني المقدس حسب كتاب سيلفيا

null
image_pdfimage_print

                                    الصوم ألاربعيني المقدس حسب كتاب سيلفيا

 

مقدمة: كتاب ” إيجيريا” و في بعض ألاحيان يُدعى إيثيريا او سيلفيا  كُتب في القرن الرابع ميلادي على يد زائرة للاراضي المقدسة تُدعى سيلفيا ويقال ان أصلها هو فرنسي وفي بعض المصادر إسباني ولا يُعرف بالتحديد إن كانت راهبة أو علمانية, ويُقدر أنها زارت ألاراضي المقدسة (سيناء, مصر, فلسطين وبلاد ما بين النهرين) من سنة  ٣٨١ حتى سنة ٣٨٤. وهذا الكتاب يحتوي على وصف” رحلة ألاراضي المقدسة ” ومكون من ٧٤ صفحة.

عيد الفصح المجيد هو العيد الكبير في الكنيسة ألاورثوذكسية, ويسبق هذا العيد الصوم ألاربعيني مُدة ثمانية أسابيع, ومجموع ألاربعين يوماً يكون  خمسة أيام في ألاسبوع   ما عدا يومي السبت وألاحد من كل أسبوع ويوم السبت العظيم. في أورشليم كان الصوم  يُمارس بعدة طرق كما تشرح سيلفيا في كتابها “رحلة الى أراضي المقدسة”  , فهناك فئة من الرهبان والمؤمنين كانوا يأكلون مرة واحدة في اليوم, وفئة أخرى كل يومين أو ثلاثة, وفئة ثالثة أكثر تشدداً فقط في يومي السبت وألاحد بعد سر المناولة (كان يُطلق عليهم “الاسبوعيون”).

بالنسبة لترتيب الصلوات في الصوم ألاربعيني فكانت كما يلي: في أيام ألآحاد تقام الصلوات المُتبعة في نصف الليل وفي الصباح في موضع الجلجلة. في أيام ألاسبوع ألاخرى بالإضافة الى خدمة الساعة السادسة والساعة التاسعة الكنسية أضافوا خدمة الساعة الثالثة, وفي أيام الأربعاء والجمعة خدمة الساعة التاسعة الكنسية (حوالي الثالثة بعد الظهر) كانت تقام في صهيون حيث كانت تُقام هذه الخدمة على مدار السنة بإستثناء اذا وقع عيد لأحد القديسين في هذين اليومين.

وتصف سيلفيا أيضاً في كتابها ترتيب الطقوس في الصوم المقدس الأربعيني:  كان الكاهن أو الأسقف يُلقي الوعظة الروحية يومي الأربعاء والجمعة في صهيون. بعد الأنتهاء من خدمة الساعة التاسعة في صهيون كانت جموع المصلين  تُرافق الأسقف  الى كنيسة القيامة مُرتلين ترانيم القيامة في الطريق, وفي كنيسة القيامة كانت تُقام خدمة صلاة الغروب وبعدها صلاة السهرانية مرة في الأسبوع  يوم الجمعة وخدمة القداس يوم السبت لكي تتناول فئة  “الأسبوعيون”. في يوم الجمعة من الأسبوع السابع من صوم كانت صلاة السهرانية تُقام في صهيون وفي صباح يوم السبت خدمة القداس, وكان رئيس الشمامسة يدعو الشعب ليستعد نحو الساعة السابعة للذهاب الى بيت عنيا. هناك كان يجتمع الرهبان لاستقبال موكب الأسقف عند الكنيسة الأولى في بيت عنيا في المكان التي إستقبلت فيه أخت ليعازر السيد المسيح, وهناك يرتلون مزمور وأنديفون ويقرأُ بعدها الإصحاح من الإنجيل الذي يتكلم عن هذا الحدث, وبعدها تتجه الجموع الغفيرة نحو قبر ليعازر.  بعد خدمة الصلاة المحددة لهذا اليوم يقف أحد الكهنة على مكان مرتفع ويقرأ من الإنجيل حدث إعداد السيد المسيح الفصح مع تلاميذه, وبعد ذلك يتجه الموكب لأسقفي مع الشعب الى كنيسة القيامة للثيام بصلاة الغروب. في اليوم التالي وبعد خدمة القداس الإلهي في كنيسة القيامة يُعلن رئيس الشمامسة للشعب انه  خلال الأسبوع العظيم ستقام التجمعات في كنيسة الإستشهاد في جبل الزيتون الساعة السابعة كنسياً (الساعة الواحدة ظهراً). حقاً في الواقع عند هذه الساعة يذهب الاسقف الى جبل الزيتون وتُرتل الترانيم المحددة لهذه الخدمة ويٌقرأ الإنجيل المقدس, وبعد الخدمة حوالي الساعة الحادية عشر كنسياً  ( الساعة الخامسة بعد الظهر) يتم قراءة حدث دخول السيد المسيح الى المدينة المقدسة من الإنجيل. في هذا اليوم يسير الموكب الأسقفي مع جموع المصلين الغفيرة من أطفال وأمهات, شبان وشيوخ من جبل الزيتون الى المدينة المقدسة حاملين سعف النخيل محيطين بالأسقف الذي كان يجلس على حمار مُحاطٍ بالكهنة. في هذه المسيرة كانت الهتافات تعلو من أفواة الأطفال ” هوشعنا بالأعالي مبارك الأتي بإسم الرب” (متى21-9).

وتُكمل سيلفيا وصف المسيرة, بأن الموكب الأسقفي وبكل وقار وتأنٍ يعبر من داخل المدينة المقدسة مُتهجاً الى كنيسة القيامة المقدسة حيث هناك تقام خدمة صلاة الغروب. بهذه الطريقة كانت الكنيسة في أورشليم تحتفل بواحد من أحداث حياة السيد المسيح بعد ثلاثة قرون من وقوعها الفعلي.

هذا الواقع الحي من حياة السيد المسيح كان يُمثل بطقوسٍ تقليدية وبترتيب كنسي في الأراضي المقدسة, وكان البطريرك الأورشليمي القديس كيرلس يقول ” انه اذا اردنا أن نحصل على دليل عن حياة السيد المسيح فلننظر حولنا الى الأراضي المقدسة فنرى شهادة حية على وجود الرب”. ” إن خشبة الصليب المقدس هي الشاهدة ” سوف أقول لهم ” النخيل في الوادي يشهد على تمجيد وتمجيد الأطفال له, شهود الجسثمانية سشهدون على خيانة يهوذا, الجلجلة المرتفعة هي شاهدة, قبر القداسة هو شاهد, كذلك الحجر الذي ما زال هنا هو أيضاً شاهد.

الآثار الحية لحياة السيد المسيح على الأرض ما زالت سليمة في أورشليم, داخل وخارج المدينة المقدسة وفي كل رُكن تجد ما يدل على حدث معين أو ذكرى معينة, فقط صوت الرب ما زال يتردد في المدينة المقدسة من خلال تعاليمه التي لا تتغير. لذلك حتى لو شُك يوماً ما في هذه الحقيقة, كتب حائراً بالحق القديس ثيوذوسيوس الى الإمبراطور أثاناسيوس : “كيف بعد مرور أكثر من خمسمائة عام على حضور الرب على الأرض ما زلنا نتعلم عن الأيمان في المدينة المقدسة أورشليم؟”, بهذه العبارة أشار بشدة عن موقف أم الكنائس في العالم المسيحي.

وتُكمل سيلفيا حديثها, كانت هنالك إحتفالات أخرى مرتبطة تُقام في المدينة المقدسة لكن خلال الأسبوع العظيم كان يُقام إحتفال محلي ثابت مستمر لا يقتصرعلى التراتيل وقراءات الإنجيل إنما على العبادة الصحيحة الصادقة وزيارة المقدسات داخل وخارج أورشليم  والتعبير عن مشاعر صادقة في مكان آلام وقيامة المخلص.

وكما في يوم الإثنين العظيم كان هنالك برنامج سنوي للصلوات لباقي الأيام على مدار السنة في كنيسة القيامة حتى صياح الديك الأول, صلاة الساعة الثالثة  والسادسة  كانت تُقام كما في الصوم الكبير, وفي خدمة صلاة الساعة التاسعة كان الجميع يتجمعون في موضع الجلجلة حيث كانوا يصلون ويقرأون الصلوات حتى الساعة الأولى من الليل وتليها صلاة الغروب.

بتسابيح وبترانيم المزامير يتجه الأسقف مع المؤمنين من الجلجلة الى موضع القيامة  وهناك   

يقوم الأسقف بالصلاة ومباركة المؤمنين والسماح لهم بالذهاب. في يوم الثلاثاء العظيم وبعد خدمة صلاة السهرانية كان يذهب الأسقف الى جبل الزيتون بمرافقة المؤمنين وهناك في المغارة التي كان الرب يستعملها ليعلم تلاميذه يقرأ الأسقف إصحاحات إنجيل متى البشير ” إسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة” (متى إصحاح 26), وبعد قراءة الإنجيل يصلي الأسقف بعض الصلوات ثم يبارك المؤمنين ليرجعوا متأخراً الى أورشليم. يوم الأربعاء العظيم بعد صلاة الغروب في موضع الجلجلة يتجه الأسقف مع الكهنة والمؤمنين الى موضع القيامة وداخل المغارة المقدسة يقرأ الأسقف إصحاحات الإنجيل التي تتحدث عن خيانة يهوذا, هذه الإصحاحات كانت تجعل المؤمنين يذرفون الدموع تأثراً. يوم الخميس العظيم عدا عن الصلوات المألوفة يجتمع المؤمنون حوالي الساعة الثامنة في موضع الجلجلة وتُقام خدمة القداس الإلهي وفي تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل يُعلن رئيس الشمامسة للشعب الذهاب الى جبل الزيتون, هناك وبعد قراءات الإنجيل والصلوات المحددة في منتصف الليل كانت الجموع مع الكهنة يصعدون الى قمة الجبل عبر المائدة المقدسة ويستمرون في الصلاة والتسبيح. مع صياح الديك الأول تنزل الجموع من قمة الجبل لزيارة باقي المقدسات في جبل الزيتون وتُقرأ إصحاحات الإنجيل من بشارة يوحنا الإنجيلي التي تتحدث عن صلاة يسوع في الجسثمانية, ويتجهون بعدها الى المكان الذي فيه قبض الجُند مع اليهود على الرب يسوع ويُقرأ الإنجيل الذي يتحدث عن حدث القبض على يسوع, بينما تتعالى أصوات البكاء والرثاء من قِبل الشعب. كل الموكب يتجه الى كنيسة الصليب حيث تُقام هناك صلاة السهرانية طوال الليل مع النساء والاطفال والكبار. عند الفجر يقرأ الإنجيل الذي يتحدث عن المحاكمة الأولى للسيد المسيح من بيلاطس البنطي بينما يلقي الأسقف عظة روحية عن آلام المخلص.

وتُكمل سيلفيا وصفها للأحداث, في يوم الآلام يذهب الناس الى صهيون (أي أورشليم) باكراً في الصباح ويزورون الموضع حيث رُبط وجُلد الرب يسوع المسيح على عامودٍ, وفي هذا اليوم يوضع الكرسي الأسقفي في موضع الجلجلة قبل الطاولة التي توضع عليها العلبة الفضية الموجود بداخلها خشبة الصليب المُكرّم. يحمل الأسقف الصليب مُحاطاً بالشمامسة والشعب يأتي لإكرام الصليب المكرم مع قطع مقدسة أخرى من الفترة اليهودية القديمة التي كان قد إستردها قسطنطين الكبير من روما. وترافق الترانيم والتسابيح هذا الطقس الإحتفالي ويتجه الموكب الى كنيسة الصليب حيث تٌقرأ كل إصحاحات الكتاب المقدس التي تتحدث عن آلام المخلص الرب يسوع المسيح من الظهر حتى الساعة الثالثة, في هذه الساعة يُقرأ الإنجيل الذي يتحدث عن لحظات آلام السيد المسيح على الصليب من بشارة يوحنا الإنجيلي, وبعدها في الجلجلة تُقام الصلوات والتسابيح الى الرب. بعد الجلجلة يتجه الجميع نحو موضع القيامة وهناك تُقرأ من الانجيل الإصحاحات التي تتحدث عن طلب جسد السيد المسيح من على الصليب من بيلاطس ليوضع في قبرٍ.

يوم الجمعة العظيمة ليلاً تُقام صلاة السهرانية طوال الليل حتى صباح يوم السبت العظيم من قِبل الرهبان وسائر الكهنة. يوم السبت العظيم تُقام خدمة صلوات الساعة الثالثة والسادسة  كما في باقي أيام أسبوع الآلام, في الساعة التاسعة يرتدي المسيحيون اللباس الأبيض ويرافقون  الأسقف الى كنيسة القيامة ليُصلوا صلاة خاصةً, بعدها يتجهون الى الجلجلة, من هناك يذهبون إلى القبر المقدس لقراءة الجزء من الإنجيل عن قيامة المخلص. وتصف سيلفيا فرح وابتهاج المؤمنين بالاحتفال ب “عيد الأعياد”، عيد الفصح، الذين شاركوا في جميع الصلوات في أسبوع الآلام وزاروا  كل المقدسات  القيامة، الصليب، جبل الزيتون، بيت لحم وبيت عنيا.