عصر الشدائد الكبرى

null
image_pdfimage_print

 عصر الشدائد الكبرى      

كان هذا الزمن عصيباً على بطريركية أورشليم حتى فتح عمر بن الخطاب أورشليم وأعطى المسيحيين وبطريركهم القديس صفرونيوس بطريرك الملّة الملكيّة أي (الروم) مرسوم اعتراف مميز (العهدة العمريّة) يُثبّت فيه أن بطريرك الروم هو القائد الروحي لسائر المسيحيين في فلسطين، وحتى لغير الأرثوذكسيين، وهذا بحدِّ ذاته ميثاق شرف يمنحه درجةً مميّزة بين رؤساء المسيحيين بأن يكون متقدماً عليهم، حيث أعفاه من الجزية وقدّم له الأمن والأمان على كنائسه وأملاكه، وأمر سلاطين وحكّام المسلمين الذين يأتون من بعده العمل على ذلك . ولكن سيطر على سدّة الخلافة من بعده حكّام أشدّ قسوة، فقاموا بمضايقة المسيحيين كثيراً، وقد عانى جنس المسيحيين في زمن حكمهم من محاولات نشر الإسلام بالقوّة ودحض وإلغاء كل ما هو يونانيّ. 

ورغم هذه الحالة الصعبة والضغوطات الخارجيّة الكبيرة بقيت الحياة الروحية لدى المسيحيين المضطهدين بحالة نشاط وتطور، فقد كان لكنيسة أورشليم في هذا الزمن دورٌ هام في محاربة الهرطقات مثل هرطقة المونوثيليث (المشيئة الواحدة)،  وهرطقة محاربة الأيقونات وحتى ظهور هرطقة  Filioque الفيليوكفة (إنبثاق الروح القدس من الآب والابن) الناتجة عن الرهبان الإفرنج وأللاتين التابعين للبابا . ومن بين الكثيرين من اللاهوتيين العظماء الذين دافعوا عن الإيمان القويم نذكر البطريرك القديس صفرونيوس ( ٦٣٨م )، والقديس يوحنا الدمشقي الراهب الساباوي (٧٨٤م) اللذان يعتبران من أهم وأرفع رجالات اللاهوت وناظمي التسابيح في التاريخ الكنسي.

 
لقد وُصف القرن التاسع كما القرن الثامن بأنه زمن اضطهاد عنيف شُنَّ على المسيحيين، وكان كلّ هذا على حساب المزارات الشريفة، والكنائس، والأديرة، والمؤمنين البسطاء . ولمّا نشبت الحرب الأهليّة بين القبائل العربيّة مُنع المسيحيين من إقامة شعائرهم الدينية في الأعياد خارج الكنائس (مثل زياح الإيقونات المقدسة) ومنعوا كذلك من تعليم اللغة اليونانيّة، حتى أن تداولها بين أبناء الرعيّة أصبح ضئيلاً وكذلك أيضاً في طقوس العبادة داخل الكنائس . إن دمار كنيسة القيامة والمناطق المقدسة الأخرى وإبعاد البطاركة واغتيالهم أدى إلى تزعزع أوضاع المسيحيين، وبلغت هذه الإضطهادات ذروتها في عهد الخليفة  الحاكم بأمر الله (١٠٠٧م)، حيث شنَّ اضطهاداً عنيفاً وواسعاً على المسيحيين، وقام بالاستيلاء على أملاكهم العامة والخاصة، فأحرق ودمّر كنيسة القيامة وكلّ الكنائس الأخرى والأديرة حتى وصل كنيسة القديس جاورجيوس في اللّد، وكانت المصيبة الكبرى عندما نُهبت جميع الأواني المقدسة من مخزن كنيسة القيامة، وأُجبر المسيحيون بالقوّة على الدخول في الدين الإسلامي وإلاّ عُوقبوا بالموت، فسقط منهم شهداء كثيرون . واصطلحت الأوضاع قليلاً عندما جلس على كرسيّ الخلافة من بعده ابنه (الظاهر لدين الله)، وفي مدّة خلافته قام إمبراطور القسطنطينيّة قسطنطين المونوماخوس (١٠٤٢ ­- ١٠٥٥م) بمدّ يد العون وذلك لبناء كنيسة القيامة والمزارات المقدسة الأخرى، ولكن الكنيسة جُربت مرّة أخرى من قبل هجمات العرب وقوات السلاجقة الأتراك . وبقدوم الصليبيين سنة ١٠٩٩م، بدعم من البابا والكثير من أمراء وأشراف ونبلاء الغرب، وُضع حدّ لهذه الهجمات . ولكن كان لهؤلاء القادمين من الغرب غايات مكنونة في صدورهم، ومنها الاستيلاء على الأراضي المقدسة ليجعلوها مملكة لآتينيّة، وأن يُلاشوا عنها الطابع الروحي النابع من الإمبراطوريّة البيزنطيّة .