لأورثوذكسية في الأراضي المقدسة

null
image_pdfimage_print

                        الأورثوذكسية في الأراضي المقدسة

 

بداية تاريخ الكنيسة في الأرض المقدسة يعود الى فترة تأسيس الكنيسة الأول  زمن الرسل الأطهارفي منتصف القرن الأول للميلاد. أول أسقف لهذه الكنيسة المُنظمة في أورشليم كان القديس يعقوب أخو الرب وشملت جميع المجتمعات المسيحية في فلسطين حتى دمار المدينة المقدسة أورشليم على يد الأمبراطور الروماني طيتس سنة 70 ميلادية. بعد عودة المدينة على يد الإمبراطور أندريانوس سنة 135 ميلادي تحت إسم أيليه كابيتولينا , كانت أسقفية اورشليم قد خسرت عظمتها وأهميتها وأصبحت تُعد أقل شأناً من أسقفيات عسقلان, غزة, قيصاريا, سكيثوبوليس وغيرها. سنة 451 ميلادية إعترف المجمع المسكوني الذي إنعقد في خلقدونة بأهمية أسقفية أورشليم الروحية والدينية وأصبحت بطريركية, وإعتُرف بالبطريرك الأورشليمي كأعلى مرجعية كنسية في الأراضي المقدسة وصلاحياته إمتدت الى سائر مناطق فلسطين والى أسقفيات نهر الأردن. وقد إعتُرف ببطريركية الروم الاورثوذكسية الأورشليمية الحالية من قِبل جميع فاتحي ومُحتلي الأرض المقدسة على مدار التاريخ: من العرب, المماليك, العثمانيين, والإنجليز على أنها “حامية وحارسة الأرض المقدسة الشرعية”.

 

الأيبيريون

المسيحيون الأيبيريون تواجدوا في الأراضي المقدسة منذ القرن الرابع ميلادي كحجاج أو رهبان  وكليروس.  في القرن الخامس أسس مورفانوس من أصول ملكية أيبيرية دير أيبيري في أورشليم. بعد فترة أخذ إسم بطرس ورسُيّم رئيس أساقفة مايوما وهي بلدة بالقرب من مدينة غزة. في القرن الحادي عشر ميلادي إستقر الإيبيريون في دير الصليب المقدس غربيّ أورشليم, وفي وقت لاحق خلال القرنين الثالث عشر والخامس عشر منح المماليك امتيازات كثيرة للرهبان الايبيرين, وكجالية رهبانية قاموا بشراء الأراضي وإستقروا في العديد من الأديرة في المدينة المقدسة وحصلوا على حقوق وإمتيازات في العديد من المزارات مثل موضع الجلجلة. بدأ تراجع الايبيرية في الأرض المقدسة في القرن الخامس عشر, فتحت عبء الديون بدأوا في بيع الأديرة أو تأجيرها لطوائف مسيحية اخرى. في القرن السابع عشر هجروا المدينة المقدسة أورشليم بعد أن أصبحوا أخوية مديونة ومفككة, وما تبقى منهم من رهبان عاشوا جنباً الى جنب مع الرهبان اليونانيين في أديرة البطريركية الرومية الأورثوذكسية.

 

الصرب

 ظهر الصرب الأرثوذكس في الأراضي المقدسة كحجاج في بداية القرن الثالث عشر, وبسبب تزايد عددهم كان من الضروري أيجاد دار للضيافة لهم في أورشليم فضلاً عن إنشاء وتنظيم فرقة رهبانية صربية لرعاية الحجاج. لهذا السبب، في عام 1303، قام ملك صربيا ستيفان اوروخ بشراء دير رؤساء الملائكة في الحي المسيحي في القدس وقدّمه للرهبان الصرب لجعله مركزاً للرهبنة  ودار ضيافة للحجاج الصربيين.

في سنة 1504 تولى الرهبان الصرب لافرا (مجموعة أديرة معاً) القديس سابا في صحراء يهوذا وحولوها الى دير تنسكيّ يتمتع بالحياة الرهبانية المشتركة. مع هذا لم يكن مصير الرهبان الصرب في الأراضي المقدسة جيداً بما فيه الكفاية, ففي عام 1623 أُجبروا على ترك لافرا القديس سابا ودير رؤساء الملائكة  بعد أن أصبحوا أخوية مُفككة ومُثقلة بالديون.

 

الروس

الأورثوذوكسيون الروس حكومة وكنيسة على حد سواء كانوا دائماً يدعمون البطريركية الأورثوذكسية الاورشليمية في النزاعات التي كانت تظهر بين الحين والآخر بين الطوائف المسيحية المختلفة من أجل حماية المقدسات وأولوية الوصاية عليها. بعد إعتناق الشعب الروسي للمسيحية الأورثوذكسية في القرن العاشر ميلادي أصبحت المقدسات في الاراضي المقدسة محط أنظار الشعب الروسي وأصبحوا يزورون الأراضي المقدسة إما كحجاج أو كرهبان في الأديرة الأورثوذكسية اليونانية. بعد إنهيار الإمبراطورية البيزنطية عام 1453 أصبحت روسيا الدولة المستقلة الوحيدة التي أخذت على عاتقها حماية مقدسات الكنيسة الأورثوذكسية في فلسطين, لهذه السبب أول بعثة روسية كنسية الى فلسطين كانت سنة 1845 ترأسها الأرشمندريت بورفيريوس أوسبنسكي, من أجل تقييم الوضع ولدعم البطريركية الاورشليمية والإكليروس الاورثوذكسي. كانت حرب القرم أحد أسباب إيقاف هذه البعثات سنة 1854, لكن لاحقاً سنة 1858 بُعثت إرسالية كنسية برئاسة متروبوليت ميليتوبوليس كيرلس. بعد سنوات زاد عدد أعضاء البعثات وقاموا بشراء الأراضي لتُبنى اول أديرة روسية والجمعيات الإنسانية. وتولت هذه البعثات الكنسية الإهتمام  بالحجاج الروس الذين تزايدت أعدادهم في تلك الفترة, وفي سنة 1860 إشترت البعثة الروسية أرض معسكر قديم في الجهة الشمالية-الغربية من أورشليم وتم بناء دار ضيافة عليها.  سنة 1864 بنيت كاتدرائية جميلة مُكرسة للثالوث القدوس في وسط دار الضيافة هذه, وبين سنوات 1870-1880 تم بناء دير للراهبات الروسيات في أعلى جبل الزيتون.  في عام 1871 تم بناء دير آخر للراهبات في بلدة عين كارم-غرب القدس, وسنة 1888 دير القديسة مريم المجدلية الجميل غربي جبل الزيتون.  واقتصر نشاط المبعوث الروسي في الأراضي المقدسة بسبب الحرب العالمية الأولى والثورة البلشوفية في بداية القرن العشرين.

 

الرومان

أول بعثات حج من رومانيا الى الأراضي المقدسة سًجلت في القرن الخامس عشر ميلادي, وإزداد عدد الحجاج خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. خلال القرون الصعبة للكنيسة التي مرّت بها الكنيسة الأرثوذكسية في القدس، أظهر الشعب الروماني اهتماماً كبيراً لمصير المقدسات، وإهتم الحجاج الرومان بتقديم التبرعات والمساعدات المالية للحفاظ على المقدسات وعلى الإيمان الأرثوذكسي في فلسطين. في بدايات القرن العشرين إهتمت الكنيسة الرومانية بإرسال بعثات كنسية الى الأراضي المقدسة, بدأت الأعمال أولى لبناء أول كنيسة رومانية في المدينة المقدسة سنة 1914. الحرب العالمية الأولى والصعوبات التي نتجت عنها أجّلت هذه البعثات لفترة من الزمن, في 15 أغسطس عام 1935, وضع حجر الأساس لأول كنيسة رومانية في القدس ومواقع أخرى لضيافة الحجاج الرومان. في الوقت ذاته بُنيت كنيسة رومانية أخرى في الضفة الغربية لنهر الأردن مُكرسة على أسم القديس يوحنا المعمدان. اليوم البعثة الكنسية الرومانية في القدس مع البعثة الكنسية الروسية تحت رئاسة البطريركية الأورشليمية الاورثوذكسية تمثل العالم المسيحي الأورثوذكسي في الأراضي المقدسة.