اواخر القرن الثامن عشر

null
image_pdfimage_print

السياسية وفي نظام الحقوق السائد في المزارات الشريفة، والذي تمّ تثبيته الى يومنا هذا حيث بدأت البطريركية بتنظيم أحوالها وأعمالها الداخليّة. إن المعاهدة التي حصلت في سنة ١٧٧٤م (كيوتسوك كينارتزي) أجبرت تركيّا أن تجعل حياة مواطنيها المسيحيين أفضل وأن تعترف أن روسيا هي حامية المسيحيين في الأراضي المقدسة، وقد حاول اللاتين والأرمن التدخل ثانية في كنيسة المهد والجلجلة غاية الحصول على حقوق أكثر، ولكنهم لم ينجحوا في ذلك. وعندما حاول الأرمن الحصول على حقوق في القبر المقدس، من خلال مشاركتهم في إعمار كنيسة القيامة، لم يستطيعوا. فقاموا بإحراقها سنة ١٨٠٨م حيث احترق قسم كبير من جدرانها الخشبيّة. أما العهدة التي أصدرها السلطان محمود الثاني سنة ١٨٠٩م ضمنت أن أعمال إعمار كنيسة القيامة الشريفة يتم فقط من قبل اليونان “الروم”، وهذا دفع اللاتين والأرمن الى الاحتجاج بقوة محاولين بكل طريقة ووسيلة الإساءة الى البنّائين والعمّال لتعطيل أعمال الترميم حتى يقوموا بالحصول على فرمان آخر يكون في صالحهم. ولكن في النهاية لم يحققوا شيئًا من مآربهم وأُعيد إعمار كنيسة القيامة الشريفة بعرق ودم ومال جنس الروميين الذين كانوا تحت عبوديّة الأتراك، وهكذا دُشن هيكلها في الثالث عشر من سبتمبر عام ١٨١٠م، وصادف هذا التاريخ يوم تدشين هيكلها في أول مرّة بعد بنائها (وُصف هذا الحدث بأنه أعجوبة بسبب إيمان اليونانيين الروم).

إن ثورة عام ١٨٢١م التي وضعت أخويّة القبر المقدس مع باقي اليونانيين تحت تهمة الخيانة أمام الباب العالي وهكذا أتيحت الفرصة لغير الأرثوذكسيين لإخراج اليونانيين “الروم” من الأراضي المقدسة .وهكذا عانت أخويّة القبر المقدس الكثير من قبل الأتراك في ذلك الوقت . وفي سنة ١٨٢٤م قام الأرمن بالاستيلاء على قسم من جبل صهيون، وحاولوا حينها أخذ الجلجلة أيضاً ولكنهم لم ينجحوا، فحصلوا مع أللآتين على حقوق في القبر المقدس . وفي سنة ١٨٣٤م، عندما كانت فلسطين في يد إبراهيم باشا، قام الأرمن وأللآتين نتيجة الزلزال استغلال اعمال والإصلاح التي حصلت في كنيسة القيامة محاولين بذلك ضمّها إلى سيطرتهم بالكامل . ونتيجة الضغوطات الأوروبية على تركيا أدت إلى إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية سنة ١٨٤٧م والتي كانت قد ألغيت بعد انهزام الصليبيين . وفي سنة ١٨٤٠م ظهر في الأراضي المقدسة الأنجليكان، واللوثريين والبروتستانت والروم الكاثوليك . وبالرغم من كل ذلك كانت الأراضي المقدسة في هذه الفترة تستمد الدعم المساعدات الكبيرة من الإمبراطوريّة الروسيّة التي كان لها أهدافها الخاصة. 

إن مجيء الأرشمندريت الروسي برفيريوس أوسبنسكي سنة ١٨٤٣م وتأسيس البعثة الأرثوذكسية الروسيّة سنة ١٨٤٨م جعل الحضور الروسي قويًّا، وفي نفس الوقت قامت هذه البعثة بزرع بذور الشكّ بين أخويّة القبر المقدس والطائفة العربيّة وذلك بهدف أن يكون التدخل الروسي في أمور الكنيسة الأورشليمية أقوى وأيضًا استمالة الرعيّة العربية الأرثوذكسية الى الصف الروسي. لكن هذه السياسة التي اتبعتها البعثة أداناها الشعب الروسي بنفسه. ووصلت هذه الأعمال ذروتها بتنحية البطريرك كيرللس الثاني عن السدّة البطريركية، حيث خُدع من قبل الدبلوماسيين الروس في القسطنطينية فلم يُشارك في المجمع الذي عُقد سنة ١٨٧٢م والذي أدان الانشقاق الذي حصل في كنيسة بلغاريا نتيجة التعصب العرقي لجنسهم، مما أدى الى نشوب عراك بينه وبين أخوية القبر المقدس وعقدت اجتماعها في سنة ١٨٧٢م وتقرّر تنحية البطريرك كيرللس الثاني عن السدّة البطريركية. فواجهت الأخوية الصعوبات من قبل البطريرك كيرللس والحرس التركي أيضًا. وفي سنة ١٨٧٣م انتخب البطريرك بروكوبيوس الثاني بطريركًا على الكنيسة الأورشليمية، فقامت روسيا بالاعتراض وأصدرت أوامرها بالاستيلاء على جميع أراضي البطريركية في باسيربيا (ملدافيا حاليًا) وفي القوقاز، والتي تم استرجاعها في سنة ١٨٧٥م، وفي السنة نفسها قرّر الباب العالي التصديق على النظام الداخلي الجديد لبطريركيّة الروم الأرثوذكس. وبالرغم من كلّ ذلك كانت مدّة بطريركيّة كيرللس الثاني (١٨٤٥-١٨٧٢م) في كثير من الأحيان مفيدة لبطريركية أورشليم حيث تم تأسيس مطبعة البطريركية سنة ١٨٥٣م، وهي أقدم المطابع في فلسطين. وفي سنة ١٨٥٥م تأسّست كليّة اللاهوت في دير الصليب المقدس والتي كانت بمثابة أرضٍ خصبة للكثير من اللاهوتيين الأرثوذكسيين الذين أفادوا الكنيسة الأرثوذكسيّة. وفي عهد البطريرك كيرللس أيضًا توقفت عادة انتخاب البطريرك الأورشليمي في القسطنطينيّة، والتي كانت سائدة لمدة قرنين ماضيين من الزمن، فصار انتخابه في أورشليم. وهكذا حصلت كنيسة صهيون على الدعم الكامل من بطريركية القسطنطينية مركز الروم والأرثوذكسيّة.

إن العلاقات والمعارك السياسيّة العالميّة التي حصلت بين فرنسا وروسيا سنة ١٨٥١م والتي دارت حول مصالح أللآتين والأرثوذكس في المزارات الشريفة قادت إلى نجاح الأرثوذكسيين، وأدت إلى إصدار مرسوم، بخط شريف، سنة ١٨٥٢م يحفظ حقوق الروم . وفي سنة ١٨٥٣م صدر مرسوم آخر أكثر وضوحاً من الأول والذي حُدد من خلاله عمل المزارات الشريفة وأيضاً حقوق الروم الأرثوذكس وبقيّة الطوائف الأخرى، وهو نفس النظام القائم في المزارات الشريفة إلى يومنا هذا. وأما مؤتمر باريس الذي عقد سنة ١٨٥٦م أكّد على قيام هذا النظام داخل المزارات وتمّ الاتفاق عليه أيضاً في اجتماع برلين سنة ١٨٧٨م، واعتُبر هذا النظام بالحقيقة مريحاً للكنيسة الأرثوذكسية أقدم الكنائس في الأرض المقدسة، ولهذا صدّق عليه من مجمع الأمم ولاحقاً منظمة الأمم المتحدّة سنة ١٩٤٧ -­ ١٩٥٠م . وأما اليوم، فهو ساري المفعول تُحافظ عليه كل الطوائف المسيحيّة الأخرى، وهو مصدر أمان لعمل المزارات والحفاظ على الحقوق والمصالح العامة لكل طائفة، فكما يقولون : “˜مَن يحافظ على النظام، يحافظ هو على نفسهِ أيضاً ”. 

لقد أظهر افثيميوس، مسؤول الأواني المقدسة في كنيسة القيامة، في نهاية القرن التاسع عشر تميّزاً وتجديداً في الشكل البنائي للبطريركيّة، وساعد في إظهار وبناء الكثير من المناطق التي ميّزت القسم المسيحي في البلدة القديمة في أورشليم وذلك من باب داود الى حدّ كنيسة القيامة، حيث يُطلق على هذه المنطقة في كثير من الأحيان بمنطقة “افتيموس”. وعادت أيضًا كليّة الصليب المقدس اللاهوتيّة الى العمل من جديد بعد انقطاع بسيط سنة ١٨٧٣م وذلك في زمن البطريرك جراسيموس (١٨٩١-١٨٩٧م)، ومن ثم توقفت عن العمل ثانية. ولكن يوجد الآن اهتمام من قبل أخوية القبر المقدس كي تعود هذه الكليّة الى العمل تحت رعايتها. وأيضًا أُعطي اهتمام كبير للمحافظة على جميع المخطوطات وكل كنوز البطريركيّة، وأيضًا أملاكها التي دخلت في حقبة عصيبة ومشاكل صعبة نتيجة أحداث القرن العشرين في فلسطين، حيث كانت الرعيّة أيضًا تواجه مصاعب عديدة نتيجة الأزمة الدينية والسياسية السائدة. ولسوء الحظ كان أبناء الرعيّة يتركون وطنهم الأم ويذهبون الى بلاد الغربة من أجل لقمة العيش.