كلمة صاحب الغبطة بطريرك المدينة المقدسة اورشليم كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث بمناسبة عيد القديس جيراسيموس 17/3/2012

“يا اخوة, لكن تذكروا الايام السالفة التي فيها بعدما انرتم صبرتم على مجاهدة آلام كثيرة… لانكم رثيتم لقيودي ايضا وقبلتم سلب اموالكم بفرح, عالمين في انفسكم ان لكم مالا افضل في السموات وباقيا” (عب 10 32-34). هكذا يكرز القديس بولس الرسول.
ايها الاخوة الاحباء بالمسيح
ايها المسيحيون الحسني العبادة

“مالا افضل في السموات وباقيا” هكذا سعى لخلاص قديسنا البار الذي نكرمه اليوم في ديره العامر حيث يحمل اسمه الكريم (دير القديس جراسيموس).
بكلام اخر القديس جراسيموس من خلال جهاده النسكي في الصحراء قرب نهر الاردن, اصبح صاحب افضل ملك. انه ملكا في السموات لا يزول, باقيا وثابتا الى الابد.
ان ثمار الملك السماوية الباقية والابدية للقديس البار جراسيموس, دعتنا لنشترك بالاسرار المقدسة الطاهرة لجسد ودم ربنا والهنا ومخلصنا يسوع المسيح (ذوقوا وانظروا ما اطيب الرب) (مز 9:33).

نعم ايها الاخوة الاحباء
هذا هو ربنا يسوع المسيح القائل :”انا هو الطريق والحق والحياة” (يو 6:14).
ان القديس جراسيموس, عاش حياته النسكية بايمانه ب “الطريق والحق والحياة “. لذلك ظهر كالجوهرة البهيه لمحبة المسيح, تماما كما يذكر مرنم الكنيسة.
وفي هذا المجال ينوة القديس كيرللس رئيس اساقفة الاسكندرية ويقول: “انه لمن المستحيل ان يرتقي اي شخص في معارج الكمال والفضيلة, ليصل الى حالة القداسة والاستنارة والتاله بدون ان يتخذ من المسيح مرشدا له ومعينا, ومن الضلالة من يعتقد انه يستطيع ان يتحد بالاب السماوي بدون ان يكون له واسطة من خلال المسيح الاله. فالسيد المسيح يقول :”بدوني لا تستطيعون ان تعملوا شيئا”.
بكلام اخر المسيح هو البوصلة لمسلكنا الصحيح, لانه “بدم ذاته دخل الى الاقداس” (عب 9:12).
بما ان الرب يسوع المسيح كلمة الله الاله الانسان تجسد وتانس من الدماء النقية للعذراء مريم, استطاع ان يعيد حلقة الاتصال المفقودة ما بين السماء والارض, وبين العالم المنظور وغير المنظور. لذا كل شخص يرجو الايمان والخلاص يتحتم علية ان يتخذ المسيح وسيطا له, لانه المعبر الوحيد للحياة الابدية.
والقديس كيرللس يقول ثانية: “لا يستطيع اي انسان ان يشارك الطبيعة الالهية بالنعمة من خلال قواه الخاصة, لكن فقط بواسطة المسيح, وايضا الحصول على حياة التوبة لن ولم تتم الا من خلال المسيح, لانه بتجسدة وتانسه, يستطيع ان يتشفع فينا جميعا, لذا كل المحاولات البشرية والانسانية خاصتنا نحو التجدد والتاله مصيرها الفشل المحتوم بدون المسيح الاله الانسان”.
البار جيراسيموس كان مثالا في حياته النسكية الكارز فيها لمعمودية التوبة شبيها بالقديس يوحنا المعمدان السابق, فاظهر فعلا مشاركته للطبيعة الالهية بالنعمة, اي مواطنة مع القوات العلوية غير الهيولية في السموات.
“لقد لمعت في ظلمة الحياة مثل نجمة الصبح يا جيراسيموس, وارشدت الناس الى نور حياة الملائكة غير المتجسدة”.
في اشخاص قديسي كنيستنا وخاصة في شخص البار جيراسيموس. نحن نعترف ونقر بالخليقة الجديدة التي تجددت من خلال يسوع المسيح مخلصنا, كما يكرز الطوباوي بولس: “اذا ان كان احد في المسيح فهو خليقة جديدة. الاشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديدا”. (2كو 5:17).
هذه هي بالتدقيق الحياة الجديدة التي تعرضها لنا كنيستنا من خلال تذكار القديس جراسيموس. وفي هذه الحياة اي الحياة بالمسيح تدعونا جميعا لنلج فيها, مفتدين الوقت لان الايام شريرة, لكي لا نصبح اناسا جهلاء مثل الانسان الغبي الذي اعتمد على ثروته المادية, كما يذكر انجيل القديس لوقا… فقال لنفسه: “يا نفس لك خيرات كثيرة (اي مادية) موضوعة لسنين كثيرة. استريحي وكلي واشربي وافرحي” (لوقا 12:19).
ان الخبرة الغبية للانسان الجاهل تشمل الكثيرين من رفقائنا وزملائنا في الانسانية والبشرية. الذين امنوا بتعاليم الانبياء الكذبة, رافضين رفضا تاما التدبير الالهي بالمسيح (اي الايكونوميا), مستبدلين اياه بالتدبير المادي البحت المقرون بوسائل الغش, وخيبة الامل, والخذلان, والحيرة في هذه الحياة الدنيوية والارتباك منها.
القديس جيراسيموس وهو في ريعان شبابه, اقتبكل تدبير الحقيقة بالمسيح الهنا مخلص العالم, حيث (نبذ بلبال العالم واضطراباته).
هلم لنرى ما يقول المرنم بهذا المضمار:
“لقد جنحت عقلك بالايمان نحو الله. يا جيراسيموس الاب المتاله اللب. فنبذت بالبال العالم واضطراباته. وحملت صليبك وتبعت ركيب كل البشر وعبدت جماح الجسد لمشاق الامساك عن ثبات عزم بقوة الروح الالهي”.
بكلام اخر ايها الاخوة الاحباء
الاب جيراسيموس التاله اللب, برز لنا كمثال منظور ما بين قديسي كنيستنا, مظهرا فيه ومن خلاله غنى المسيح الذي لا يستقضى, هو سر التدبير الالهي, كما يكرز الرسول بولس قائلا: “لي انا اعطيت هذه النعمة ان ابشر بين الامم بغنى المسيح الذي لا يستقصى وانير الجميع في ما هو شركة السر المكتوم منذ الدهور في الله خالق الجميع بيسوع المسيح” (افسس 3: 8-9).
اي لقد اعطيت هذه النعمة لي لكي لانير جميع الناس, وما هو سر التدبير الالهي بالمسيح, يعني ما هو النظام الجديد الخاص بجميع الامور, وما هو التدبير والترتيب الجديد الذي احضر من عطاء الخلاص ونور الحقيقة من خلال المسيح وبواسطتة.
في البرية وهو المكان الطبيعي لكرازة النبي يوحنا المعمدان,ومن صميم هذا المكان المميز, نبغ ابينا البار جيراسيموس, الذي يدعونا ان نخرج من حالة الوضع الماساوي في حياتنا المعاصرة الذي نحياه بالفعل, حيث يخيم عليه الجفاف الروحي. (يعني بلبال العالم واضطراباته). صارخا بصوت جهوري وقائلا لنا: “تقدموا اليه – الى يسوع المسيح الاله مخلصنا – واستنيروا ووجوهكم لا تخزى” (مز 6:33).
تعالوا اليه يا جميع المتعبين والثقيلي الاحمال والحزانى, لتستقبلوا النور المفرح لقلوبكم, الذي يغير صورة وجهوهكم الحزينة الى وجوه تشع بالرجاء, والغبطة والابتهاج.
نتضرع الى القديس جيراسيموس الذي نحتفل بتذكاره الموقر, ومع المرنم نقول: “ايها المسيح الكلمة اذ قد عبرنا السبة الثالثة من الصيام الشريف فاهلنا ان نعاين عود صليبك الحامل الحياة ونسجد له بتوقير ونرتل باستحقاق ونمجد عزتك ونسبح الامك وندرك بنقاوة قيامتك المقدسة والفصح السري الذي به عاد ادم الى الفردوس.

وكل عام وانتم بخير

مكتب السكرتارية العام – بطريركية الروم الأرثوذكسية
نشر في الموقع على يد شادي خشيبون