رسالة صاحب الغبطة بطريرك المدينة المقدسة ثيوفيلوس الثالث بمناسبة أعياد الميلاد لسنة 2012

“اليوم اتحدت السماء والأرض.
اليوم حضر الإله على الأرض
اليوم يٌرى الغير منظور بطبيعته
منظورُ بالجسد لأجل الإنسان”
( لحن الليتين الميلادية)

تحتفل الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية على امتداد أقاصي العالم في هذه الأيام بأعياد الميلاد المجيدة الفرحة واللامعة . ففي إقامة هذه الأعياد تتذكر الكنيسة بفرح وشكر وتمجيد بحب الله للبشر الذي لا يُقاص.

لقد ظهر حب الله هذا للبشر في خلق العالم وجبلة الإنسان قديماً و عنايته وحكمه الدائم الذي لا ينقطع. لكن هذا فاق كل قياس وحدود، وكل عقل ومعنى، عندما سُرّ الله في آخر الأزمنة أن يفتقد الإنسان في سقطته واتضاعه ، في شقائه وضعفه، من عبودية الشيطان. عندما ” تحرك رئيس الحياة بحبه للبشر وصلاحه من اجلنا ، وأحب خلاص جبلته” حسبما قال الأب القديس المتشح بالله غريغوريوس بالاماس رئيس أساقفة تسالونيكي. وأرسل إلى العالم ابنه الوحيد ” مولوداً من امرأة ، مولوداً تحت النافوس، ليفتدي الذين تحت الناموس، لننال التبني” ( غلاطية 4: 4-5 ).

لقد جرى سر اتخاذ الإنسان من الله في مسيرة تاريخه في مكان وزمان في عهد القيصر اوكتفيانوس اوغوسطوس، في مدينة بيت لحم.

وُلد في بيت لحم بالجسد الذي حُبل به في الناصرة من الروح القدس ومن مريم البتول ، وتجسد وتأنس ابن وكلمة الله يسوع المسيح مخلصنا وفادي العالم، حسبما قال الأب القديس كيرللس الاسكندري ” إذ بقي ابن الله الوحيد ألها بالطبيعة، صار بحسبنا إنسانا، وربطنا بواسطته بالله الأب، ونجّانا من الخطيئة، وبررنا بالإيمان لأنه هو سلامنا”

لقد استقبلت ارض المغارة هذه ومذود الحيوانات غير العاقلة هذا السر الغريب العجيب. فقد جاء الرعاة الساهرون من بلدة الرعاة المجاورة إذ حثهم الملائكة على ذلك وذهلوا عندما رأوا ” طفلاً مضجعا في مذود ” ( لوقا 2: 16-17) ومجوس من الشرق يقودهم نجم، وصلوا إلى هنا”. وقدموا هداياهم من ذهب ولبان ومر إلى الملك المولود ” ( متى 11:2). وملائكة رتلوا في السماء التسبيحة الملائكية : ” المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة. ( لوقا 14:2)

تعيش الكنيسة اليوم وتعلن حتى أقاصي الأرض رسالة السلام هذه والتسامح والمصالحة، وخاصة الكنيسة المقدسية، كنيسة الأراضي المقدسة، وأخوية القبر المقدس فيها مع رعيتها. تعيد وتحتفي بهذا السر بحسب النظام القديم في المغارة القابلة الإله وفي الباسيليكا القسطنطينية المجيدة التي تفوق قوة الزمان والتغيرات البشرية التاريخية، والسياسية، وتبقى الشاهدة الصادقة لنزول السماء إلى الأرض، وتساهل الله نحو الإنسان.

نعلن الكنيسة اليوم أيضا من هذا المكان المقدس نحو أقاصي الأرض إن المسيح ولد فتحرر الإنسان. المسيح تواضع ، وصعد الإنسان حتى السماء، المسيح ظهر وقوات الشر تبددت، المسيح هرب وتخلص من الذبح إلى مصر وظل هيرودوس المتوحش يهذي. قتل الأطفال كشهداء أولين لتأنس المسيح ، وظهوره على الأرض بولادته بالجسد. وقد تبعهم ملايين الشهداء في حياة الكنيسة وتاريخها تمجيداً له. وفي نفس الوقت تعاني كنيسة القدس وتصلي من اجل ضحايا الأزمة المالية الدولية ، والعنف والإرهاب الحروب واللاجئين وخاصة لاجئي وضحايا سوريا نتيجة الحرب الواقعة فيها، وتصلي من اجل حلٍ عادل للقضايا السياسية والدينية في الشرق الأوسط.

فمن هذه المغارة قابلة الإله نوجه ادعيتنا الأبوية وبركاتنا البطريركية وأبويا أعضاء رعيتنا الذين يقطنون في الاراضي المقدسة وفي العالم اجمع وندعو لهم بالصحة والسلام والثبات وطول العمر وسائر البركات السماوية.

عن المدينة المقدسة بيت لحم
أعياد الميلاد سنة 2012

الداعي لكم بالرب الفادي يسوع المسيح
ثيوفيلوس الثالث
بطريرك المدينة المقدسة

مكتب السكرتارية العام – بطريركية الروم الأرثوذكسية
نشر في الموقع على يد شادي خشيبون