كلمة صاحب الغبطة بطريرك المدينة المقدسة كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث بمناسبة تذكار البار ثيوذوسيوس

“يا اخوة فاننا لا نكرز بانفسنا, بل بالمسيح ربا, ولكن بانفسنا عبيدا لكم من اجل يسوع. لان الله الذي قال: “ان يشرق نور ظلمة” هو الذي اشرق في قلوبنا, لانارة معرفة معرفة مجد الله في المسيح يسوع” (2 كور 4 : 5-6).

ايها الاخوة الاحباء. ايها المؤمنون, والزوار الحسني العبادة.

لقد تحققت استناارة معرفة مجد الله, بشخص يسوع المسيح الذي ولد في مغارة بيت لحم, والذي اعتمد في مياه نهر الاردن من يد السابق يوحنا المعمدان. هذه الاستنارة الالهية استقرت في شخص ابينا البار ثيوذوسيوس رئيس الاديرة, الذُ قدم من كباذوكية الى هذا المكان المقذس متخذا من منهج الحياة النسكية طريقا قويما للحصول على موهبة الروح القدس, بالتدرج في حياة التوبة حتى البلوغ لحالة التاله.

لقد استحق ابينا البار ثيوذوسيوس ان يحظى بلقب رئيس الاديرة, كونه اسس وبطريقة روحية اصيلة اللافرا (مناسك الرهبان) حيث ازدهرت فيها حياة الشركة النسكية, الامر الذي جذب عدد كبيرا جدا من طالبي الرهبنة, الذين قدموا زرافات زرافات للانضمام لهذه الحياة الملائكية الجديدة.

ان مركز الرهبنة هذا خضع نظام صارم, متخذا له نموذجا خاصا لحياة الشركة, فاصبحت ارض فلسطين محجا, لا بل قدوة ومثالا لحياة الشركة, حسب موهبة البار ثيوذوسيوس الفريدة التي ذاع سيطها جدا. ان البار ثيوذوسيوس سلك في حياته النسكية باقصى حالات التقشف, فلجم شهواته, واخضع جسده, وضبط فكره, وقيد رغباته الارضية ليسمو بالفضائل. وءعلو بالروح, حتى اكتسب المواهب العلوية, ليطلق عليه بانه انسان روحي يتمتع بمواهب روحية فائقة, الامر الذي حذا بالبطريرك الاورشليمي سالوستيوس (486 – 496 م) ي ان يرقي البار ثيوذوسيوس الى منصب الرئيس العام والمسؤول الاول والوحيد عن المراكز والاديرة الخاضعة لحياة الشركة الرهبانية في ارض فلسطين قاطبة, وذلك حسب ما نشره الناسك والمؤرخ (كيرللس سكيثوبوليتس), وفي مصدر موثوق اخر فقد كتب: (اما الانبا ثيوذوسيوس فقد اصبح ارشمندريتا ورئيسا لكل المبادئ والقوانين المختلفة للحياة النسكية المشتركة).

ان هدف هذا القانون لحياة الشركة النسكية, هي الوصول الى حالة التاله, اي حياة القداسة, وذلك من اتباع نظام الصلاة المستمرة المقرونة بالحياة التقشفية. وهذا ما نوه به الرسول القديس بولس الحكيم قائلا: “اتبعوا السلام مع الجميع, والقداسة التي بدونها لن يرى احد الرب” (عب 12:14) . اما القديس اثناسيوس الكبير فيقول “صار الله انسانا, ليصير الانسان الها بالنعمة”. والرسول بطرس يقول: “بل نظير القدوس الذي دعاكم, كونوا انتم ايضا قديسين في كل سيرة لانه مكتوب: “كونوا قديسيين لاني انا قدوس” (1 بط 15 – 116).

بكلام اخر ايها الاخوة الاحباء

الله هو قدوس, لانه خارج عن الزمان والمكان (اي المادة), فلا احد يستطيع الدنو منه, لانه سيحترق, لان “الهنا نار اكلة”, فلا شركة بين النور والظلمة (عب 12:29).

وكما يقول الرسول يعقوب: ” الله غير مجرب بالشرور” (يعقوب 1 : 13). اما الرسول بولس فيعلن: “الذي وحده له عدم الموت. ساكنا في نور لا يدنى منه.
الذي لم يره احد من الناس ولا يقدر أن يراه.
الذي له الكرامه والقدره الابديه.
امين (١تيمو ١٦:٦).
عند عماد ربنا يسوع المسيح في نهر الاردن من يوحنا المعمدان، انشقت السموات، وظهر هذا النور الذي لا يدنى منه، أي الروح القدس، بهيئة حمامه نازلاً عليه. (مرقس ٩:١).
ان كل مؤمن من كنيسة المسيح المقدسه، ومن خلال مراسيم سر عماده, يستلم ختم وموهبة الروح القدس، روح المسيح.
ان مفاعيل هذا السر هي مفاعيل الهية حقيقيه، تماما كالاقوال الالهيه التى هي مصدر للحياه وديمومتها، وهذا ما تم في تجربة المسيح في البريه عندما اجاب الشيطان: (ليس بالخبز وحده يحيا الانسان، بل بكل كلمه تخرج من فم الله) (متى ٤:٤).
هذه الاقوال هي اقوال الهيه محضه فهي التى تعطي الحياه ببعديها الطبيعي والاروحي، كما يشهد بذلك السيد يسوع المسيح القائل: (الروح هو الذي يحيى، اما البشر (الجسد) فلا يفيد شيئاً. الكلام الذي اكلمكم به هو روح وحياة.
هذا يصبح واضحاً، عندما معي قول الله تحقق بالله الكلمه الذي تجسد، اي المسيح، لهذا السبب بولس الرسول يصرح قائلاً:(انتم الذين بالمسيح اعتدمتم، المسيح قد لبستم) (غلاطيه ٢٧:٣)
النور الالهي للثالوث القدوس المحيي، هو نور ابن الله المسيح كلمة الله وحكمته، الذي فيه اي في المسيح سر ان يحل كل ملء اللاهوت جسديا (ا كول ١٩:٢)، هذا هو اللباس الجديد الذي نلبسه (المسيح)، لانه نور وحياه.
ان البار ثيوذوسيوس ملكته الغيره المقدسه ليحضى بلباس العماد المقدس بالمسيح، لذا انطلق بحراره روحيه كبيره من موطئ رائسه في كباذوكيه، نحو هذه الارض المقدسه ، ليجاهد الجهاد الحسن في منهج الحياه النسكيه في هذه البراري والقفار، فبنى فيها واحة روحيه وطبيعيه، فاعتنى بالخراف الناطقه بالمسيح في هذه الحظيره الروحيه لحياة الشركه الرهبانيه، ليتحقق ما قيل بفم أشعياءالنبى ( … الشعب الجالس في الظلمه أبصر نوراً عظيماً، والجالسون في كروة الموت وظلاله أشرق عليهم نور). (متى ١٦-١٤:٤).
ان هذا النور ما زال يشرق في هذا الدير العامر حتى يومنا هذا. لأن يستمد إشراقه من النور الالهي الذي لا يعروه مساء.
لنجسد لله مخلصنا يسوع المسيح ومع المرنم نقول:
حين ابصرناك ايها المسيح الاله ظاهراً في الجسد على منوال يمتنع وصفه. عرفنا أباك الغير المنظور وروحك القدوس هاتفين: باركوت الرب يا جميع اعمال الرب. بالاضافه، نشكر ربنا والهنا الذي من علينا وعلى الكنيسه المقدسه بهذا الكاروز (البار ثيوذوسيوس) الذي يكرز للثالوث القدوس ولحقيقته الالهيه، كونه اناءاً طاهراً نقياً لقوة استنارة الروح القدس، لتستنير نفوسنا، لنصبح ابناء النور والنهار وحرية المسيح كما يقول المرنم:
اننا نتذكر تعاليمك يا ثيوذوسيوس، فنكرز بالمسيح ذا جوهرين. ونعتقد بمشيئتين وطبيعتين وفعلين وسلطتين مستقلين في الاله الذي اعتمد بالجسد، والان ومع الكلية القداسه والدة الاله الدائمه البتوليه مريم. تشفعا بغير فتور، من اجل السلام في العالم وفي منطقتنا، ومن أجل خلاص نفوسنا، بصلوات ابينا المتوشح بالله ثيوذوسيوس.
امين.
كل عام وانتم بخير.
الداعي بالرب البطريرك ثيوفيلوس الثالث بطريرك المدينه المقدسه أورشليم.

مكتب السكرتارية العام – بطريركية الروم الأرثوذكسية
نشر في الموقع على يد شادي خشيبون