كلمة صاحب الغبطة بطريرك المدينة المقدسة كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث بمناسبة عيد القديس جوارجيوس المظفر 2014/11/16

“لقد سلكت سلوكا ينطبق على معنى اسمك يا جوارجيوس الجندي العظيم, فانك حلمت صليب المسيح على منكبيك, وحرثت الارض التي بارت بالضلالة الشيطانية واستاصلت عبادة الاوثان المشوكة, وغرست كرمة الايمان القويم, فاصبحت حراثا للثالوث القدوس بارا, تبسط فروع الاشفية لكل من في المسكونة من المؤمنين, فنطلب اليك ان تتشفع في سلام العالم وخلاص نفوسنا.” هكذا يصرح مرنم الكنيسة.
ايها الاخوة الاحباء الذين يكرمون هذا العيد الشريف,
ايها المؤمنون, والزوار الحسنيو العبادة,

ان هذا اليوم المكرم هو يوم الاحتفال بعيد القديس العظيم جوارجيوس اللابس حلة الظفر حيث تتالق مدينتكم التاريخية اللد بهذا اليوم البهج, فهو يوم عظيم وعجيب بالحق والحقيقة لكل الذين يوقرون هذا العيد المقدس.

ان مكانة الشهداء القديسين ومن ضمنهم القديس جوارجيوس هي مكانة مرموقة وسامية, حيث السعادة والغبطة الابدية, فالكنيسة تكرمهم بشكل خاص وفريد, لانهم احبوا المسيح حتى موتهم الاستشهادي, مقتدين بالامه الخلاصية على عود الصليب, فاصبحوا شركاء في دمه الطاهر الذي سفك من اجل خلاصنا, هكذا فان الشهداء القديسين وكرسل اخرين ختموا بدمهم الزكي حقيقة الايمان المسيحي باذلين من اجله كل شيء حتى نفوسهم الطاهرة, لتستقر فيهم وبحق قيامة المسيح الظافرة.
ان الشهداء البواسل الذين جاهدوا الجهاد الحسن, كانوا مقتدين بالمسيح الذي رفع على عود الصليب, كما يقول القديس يوحنا الدمشقي مرناما: “اذ قد اقتديتم ايها الشهداء الحكماء بدم الذي تالم عنا بالجسد, اثرتم ان تسفكوا دمائكم من اجله بارتياح, فانتم اذن مالكون معه دائما”.
ايها الاخوة الاحباء بالمسيح
فعلا يملك المسيح شهيدنا العظيم جوارجيوس, لانه حمل (صليب المسيح) على منكبيه, وحرث الارض التي بارت بالضلالة الشيطانية, واستاصل عبادة الاوثان المشوكة, وغرس كرمة الايمان الارثوذكسي القويم.
ان غيرة شهيدنا جوارجيوس المتقدة نحو المسيح الاله والانسان جعلت من دمه الاستشهادي ختما متوشحا بالنعمة الالهية, لتبرز من خلاله حقيقة الكرازة بالبشارة الانجيلية المفرحة, فانار المسكونة باسرها, مبددا ظلمة عبادة الاصنام, ومبكتا اعمال الاباطرة المضلة المؤلهين انفسهم والمقاومين للمسيح والمسسيحية, وذلك من خلال اقواله واعماله المملوءة بالايمان الثابت الغير المتزعزع بالمسيح يسوع المصلوب والقائم من بين الاموات بقوة لاهوته, فانضم قديسنا الى صفوف الشهداء الاوائل وباكورتهم الشهيد استفانوس اول شهداء المسيحية, كما يظهر ذلك جليا من صلاته التي رفعها قديسنا قبيل استشهاده.
“ايها الرب الضابط الكل الاب السماوي, انظر الى مسكنه وانسحاق عبدك, واقبل تضرعاتي المرفوعة اليك في هذه الساعة الحرجة, واقبلني واقبل نفسي بسلام, وضمنا في عداد اولئك الذين يحبون اسمك المقدس, واغفر للامم عبده الاصنام كل ما صنعوه لنا عن جهل, وانر يا رب عيون قلوبهم وبصائرهم الى معرفة حقيقتك, لانك اتيت لتخلص ما قد هلك…”
ان صلوات قديسنا العظيم جوارجيوس تظهر بشكل واضح حقيقة التفكير المسيح الاصيل الذي كان في فكره وعقله وقلبه, مستشفين منه حقيقة ان المسيح كان يملك في كل كيانه, فكان مقتديا بالرسول بولس القائل: “واما نحن فلنا فكر المسيح” (1 كور 2 : 16) مما يؤكد لنا ان الانسان المولود من الروح القدس فقط, يستطيع ان يفهم يعرف قوة محبة المسيح الذي قدم نفسه ضحية على عود الصيلب الحيي من اجل خلاصنا.
ان هذه المحبة “لا تطلب ما لنفهسا” (1 كور 13 : 5). حيث ان ربنا والهنا ومخلصنا يسوع المسيح اوضح عظماتها لتلاميذه الاطهار المحبين له قائلا: “سمعتم ان قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك. واما انا فاقول لكم: احبوا اعدائكم باركوا لاعينكم. احسنوا الى مبغضيكم. وصلوا لاجل الذُن يسوؤون اليكم ويطردونكم” (متى 5 : 43 – 44). هذه الاسلحة الروحية, اي اسلحة نور انجيل المسيح نتعلمها من خلال مسلك قديسنا جوارجيوس في حياته الايمانية كمثال يحتذى به, كما يعلن ذلك الرسول بولس الالهي: “فان مصارعتنا ليست مع دما ولحما, بل مع الرئساء, مع السلاطين مع ولاة هذا العالم على ظلمة هذا الدهر, من اجناد الشر الروحية السماويات” (افسوس 6 : 12).
من ناحية ثانية فان لوحشية ولادة الظلمة المسيطرة على العالم, في وقتنا الراهن, ينوه لها النبي داهود قائلا: “فتحوا علي افواههم مثل الاسد الخاطف الزائر” (ماز 21 : 14).
نعم ايها الاخوة الاحباء
انها لمعارك وحروب ضارية علينا ان نجوزها, ضد ولاة عالم ضلمة هذا الدهر, الذين يسيطرون على امم وجماهير غفيرة في اقطار العالم, الغارقين في دجور الضلالة وبراثن الرذيلة, ومستنقعات الفساد السائدة في هذا الوقت وفي ارجاء العالم, لذلك فنحن مطالوين بان نحمل سلاح الله الكامل, لكي نقدر ان نقاوم في اليوم الشرير الذي يواجهننا يوما فيوما.
لهذه المعركة (حسب وصف الرسول بولس: اجناد الشر الروحية في السموات) جاهد وناضل وقاومها شهيدنا العظيم جوارجيوس الحائز راية الظفر صديق وشهيد المسيح الذي كان ايمانه عظيما وعجيبا, كما يذكر مرنم الكنيسة قائلا: “لقد دهشت العقول منذ القديم حين رات شجاعتك. منذهلة كيف جرحت باسلحة بتارة العدو الجسد, الذُ عرقل الجدين الاولين قديما في الفردوس فاسقطهما.
نتضرع لابي الانوار ربنا والهنا ومخلصنا يسوع المسيح,
وشفاعات والدة الاله, الفائقة البركات, الدائمة البتولية مريم,
وشفاعة القديس جوارجيوس حائز راية الظفر,
ان يحفظ مدينتكم, موجها خطواتنا جميعا الى ميناء الخلاص حيث السلام العلوي, والنور الذي لا يغرب الذي لا يعتريه مساء, امين.

وكل عام وانتم بالف خير
الداعي بالرب
البطريرك ثيوفيلوس الثالث
بطريرك المدينة المقدسة اورشليم

مكتب السكرتارية العام – بطريركية الروم الأرثوذكسية