كلمة صاحب الغبطة بطريرك المدينة المقدسة اورشليم كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث في كنيسة القديس نيقولاوس في مدينة العقبة في الاردن 2014/12/7

ان اليوم مقدة مسرة الله, وبدء الكرازة بخلاص البشر, فان العذراء ظهرت فيه في هيكل الله, وتبشر الجميع بالمسيح, فلنهتفن نحوها بصوت جهير قائلين: السلام عليك يا اتمام تدبير الخالق.”
ايها الاخوة الاحباء, ايها المؤمنون الحسنيو العبادة.
لقد بزغ اليوم نهار بهيج كلي الوقار, بتذكار دخول العذراء والدة الاله الدائمة البتولية مريم الى الهيكل, (لان هذا اليوم هو مقدمة مسرة الله, وبدء الكرازة بخلاص البشر) كما يعلن ذلك مرنم الكنيسة, لذا فنحن مدعوون لان نهيء نفوسنا وذواتنا ليتسنى لنا التمعن في فحوى ومضمون سر التدبير الالهي من خلال تانس وتجسد كلمة الله, ربنا يسوع المسيح من الدماء النقية لوالدة الاله الدائمة البتولية مريم, مولودا في مغارة بيت لحم.

ان ميلاد المسيح من العذراء مريم, هو حدث فريد ومميز, انه حدث واقعي وحقيقي سواء من الناحية التاريخية او الروحية, هذا لانه وقع في مكان محدد, وتحقق في زمان معين.
اما بالنسبة للمكان, فهو في مدينة بيت لحم, تتميما لنبوءات الانبياء, التي قيلت عن هذا المولد العجيب, اما الزمان فهو زمن حكم الامبراطور الروماني اغسطس قيصر, وكيرنيوس والي سوريا, حسب شهادة الانجيلي لوقا (لو 2 : 1 – 2), لان فرادة هذا الحدث يتمحور حول خلاص الانسان وعلاجه من ادران المعاصر, محررا اياه من فساد الخطيئة التي اجرتها الموت الابدي.
لهذا السبب مرنم كنيستنا المقدسة يقول مشددا: “اليوم مقدمة مسرة الله وبدء الكرازة بخلاص البشر”.
بكلام اخر ايها الاخوة الاحباء
ان المرنم يصرح مسبقا, ان اليوم تعلن ارادة الله الاب, بمسرته لخلاص البشر, وايضا يعلن المرنم مستبقا الزمن واوانه, عن بدء الكرازة بميلاد ابن الله الوحيد, ربنا يسوع المسيح من الكلية القداسة والدة الاله الدائمة البتولية مريم, كل ذلك ينبلج من خلال دخولها الى الهيكل المقدس, فالمسيح هو “كلمة الله”…”والكلمة صار جسدا وحل بيننا” (يو 1 : 1 – 14), حسب الشهادة الصادقة للانجيلي يوحنا.
ان المسيح ليحقق عمله الخلاصي لجنس البشر, تجسد مرة واحدة “ليتالم مرة واحدة من اجل الخطايا. البار من اجل الاثمة, لكي يقربنا الى الله” (1 بطرس 3 :18).
نعود مؤكدين ان المسيح تجسد مرة واحدة فقط, من اجل السرور الموضوع امامه في خلاصنا نحن البشر, تالم مرة واحدة فقط على عود الصليب المحيي من اجل خلاصنا نحن الفجار والخطاة, من اجل تبريربا ومصالحتنا مع الله الاب.
ان تجسد (ابن الله وكلمته) مرة واحدة , يتحقق لاجل كل واحد منا نحن البشر من خلال ما يعلنه اليوم مرنم الكنيسة القائل بلسان الرسول بولس الالهي: “الذي يريد ان جميع الناس يخلصون, والى معرفة الحق يقبلون” (1 تيموثاوس 2 : 4). وكذلك بخصوص (تالم المسيح مرة واحدة) حيث يتحقق هذا الاعلان من خلال حدث الصلب: (اليوم علق على خشبة الصليب) “الذي بذل نفسه فديه لاجل الجميع” (ا تيموثاوس 2 : 6) حسب قول الرسول بولس.
ان الدائمة البتولية مريم ابنة الناصرة من خلال حلول الروح القدس فيها اصبحت بالحق والحقيقة والدة الاله, من خلال اشتراكها وتعاضدها في هذا السر العظيم سر تجسد كلمة الله, ليتالق دورها الخلاصي, حيث يشدو المرنم بصوت جهير قائلا: “السلام عليك يا اتمام تدنير الخالق”.
ان علو منزلة العذراء وسموها الروحي جعلها فريدة بين النساء قاطبة, لانها وبجدارة كانت تحقيق اتمام تدبير الخالق في تتميم سر التجسد العظيم, سر تدبير كلمة الله, هذا السر الذي يتخطى حدود المفاهيم الفلسفية والايديولوجية, وما وراء الطبيعة الميتافيزيقية, انه تدبير الهي يخوض في علاج الانسان وخلاصه, نقول كل هذا لان سر التدبير الالهي لا يقتصر على فئة محددة لاولئك الذين يحملون اسم كلمة الله, لكن هذا التدبير هو تدبير يشمل كل المسكونة وساكنيها فانه يخص الطبيعة البشرية المشتركة للانسانية جمعاء, لذلك مرنم الكنيسة يبجل العذراء قائلا: “انت كرازة الانبياء ومجد الرسل وفخر الشهداء وتجديد جنس الارضيين كله يا ام الله العذراء, لاننا بك تصالحنا مع الله. فلذلك نكرم دخولك الى هيكل الرب. وكلنا نهتف نحوك مرنمين بالسلام مع الملاك يا كلية الشرف, لاننا بشفاعتك نخلص”.
ان كنيستنا المقدسة الجامعة الرسولية, تكرم وتوقر الفائقة القداسة العذراء والدة الاله الدائمة البتولية مريم, لمشاركتها واسهامها في تجديد جنس الارضيين كله من ناحية, ومصالحتنا نحن البشر مع الله من ناحية ثانية.
وهنا نطرح هذا السؤال!؟
كيف يتحقق وبنجاح, التواصل والتفاهم والمصالحة بيننا نحن ابناء البشر الارضيين, حيث نرضخ لمفاهيم ونزعات كثيرة ومختلفة فيما بيننا؟
وكذلك , الى متى نضع حواجز وعراقيل في قلوبنا رافضين وباصرار وكبرياء كل مصالحة مع الله؟! هذا الاله المحب لجنس البشر محبة غير موصوفة وغير محدودة, هذا الاله الذي يغدق علينا بسلامه المنهمر من علياء سماءه, الذي يصفه الرسول بولس: “وسلام الله الذي يفوق كل عقل, يحفظ قلوبكم, افكاركم في المسيح” (فيلبي 4 :7).
ايها الاخوة الاحباء
بشفاعة والدة الاله الدائمة البتولية مريم, وتضرعات القديس نيقولاوس رئيس اساقفة ميرا ليكيا, ان نحظى بسلام الله الذي يفوق كل عقل, حافظا قلوبنا وافكارنا في المسيح يسوع, ونتضرع ايضا من شمس العدل المسيح الاله ان يملىء قلوبنا وافكارنا بالاستنارة الروحية لتكون مغارة قلوبنا مذوذا لملك السلام.
وفي هذه المناسبة العطرة نطلب من المولى عز وجل ان يرسل المؤازرة والمعونة لجلالة الملك المعظم حبيبنا الغالي عبد الله بن الحسين الثاني المعظم, واهبا اياه من عطاياه الالهية والعلوية, السؤدد والشرف والسيادة والقدر الرفيع, ليكون الاردن نبراسا وشعلة منيرة بضيائها لهذه المنطقة والعالم اجمع.
نطلب من الله ان يمن على جلالتكم بحياة مديدة الايام, مليئة بالسلام والسعادة والوئام, وللاردن الغالي الرقي والازدهار.


كل عام وانتم بخير
الداعي بالرب
البطريرك ثيوفيلوس الثالث
بطريرك المدينة المقدسة اورشليم

مكتب السكرتارية العام – بطريركية الروم الأرثوذكسية