كلمة صاحب الغبطة بطريرك المدينة المقدسة أورشليم كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث بمناسبة تذكار أبينا البار جراسيموس 17.3.2015

لقد صَعِدتَ على سلم الفضائل ووَصلت إلى علو النظر العقلي ، وأظهرت جلياً أسرار المسيح الإلهية أيها المتوشح بالله لهذا نكرمك عن حُسن عبادة ونهتف قائلين : المجد للمسيح الذي أعطاك القوة ، المجد للذي كللك ، المجد للذي يصنع بك الأشفية للجميع …هذا ما يقوله مرنم الكنيسة .

أيها الإخوة الأحباء ، أيها المؤمنون, والزوار الحسني العبادة .
لقد احتفلنا بالأمس بالسجود لصليب ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الكريم المحيي،وها نحن نحتفل اليوم بتذكار أبينا البار جراسيموس الأردني حيث نسك وجاهد في هذا الموضع والمكان المقدس.
لقد سَمِعَ قديسنا إلى القول الإلهي :”من أراد أن يتبعني فليَكْفُر بنفسِه ويحمل صليبَهُ ويتبعني” (مرقس 8:34)

فأخذ صليبه ولاذَ إلى موقع قفرٍ في محيط نهر الأردن ،لكي بطريقةٍ ما يكون مشابهاً لسابقِ الرب القديس يوحنا المعمدان، فعاشَ كما يَصِفُه ناظم التسابيح : “لقد جنَّحت عقلك بالإيمان نحو الله يا جراسيموس الأب المتأَلّه اللبّ ، فنبذتَ بلبال العالم واضطراباته .وحملت صليبك وتبعت رقيب كل البشر وعبّدت جماح الجسد لمشاقّ الامساك عن ثبات عزمٍ بقوّة الروح الإلهي .
حقاً أيها الإخوة الأحباء إن إيمان أبينا البار جراسيموس بالله هو الذي أشرق ذهنه بلمعان الروح القدس ،ونبذ بلبال العالم واضطراباته .وتأكيداً على قوة الايمان وعدم ثبات العالم ومغرياته يقول القديس يوحنا الانجيلي في رسالته :”لأن كل من وُلِد من الله يَغلِبُ العالَم ،والغلبة التي بها يُغْلَبُ العالَم هي ايماننا . مَن ذا الذي يَغلِبُ العالَمَ إلا الذي يؤمن أن يسوع هو ابن الله ؟.” (1 يوحنا 5 : 4-5 )

وأما فيما يختصُ في هذا العالَم يقول الانجيلي يوحنا أيضاً :”ونعلم أنَّا نحن من الله وأن العالم كله تحت حُكم الشرير”.(1يوحنا 5: 19)
أي وبشكل أكثر وضوح نعلم جيداً أننا نحن الذين ننحدر من الله ، وكل البشر البعيدين عن الله موجودين تحت سُلطة وقوى الأرواح الشريرة أي تحت حبائل الشيطان وفخاخه اللذين هم رؤساء عالمِ ظلمة هذا الدهر.(أفسس 6 : 12).
إن أبينا البار جراسيموس الذي تمكن من الفوز بسلم الفضائل ،و استحق معاينة مجد الله و أصبح منارةً روحية ،في بحر الظلمات و اضطراب هذا العالم ومغرياته ،مستنيراً بنور المسيح اي الروح القدس .
وفي إشارةٍ إلى قديسي كنيستنا يقول القديس بولس الرسول :”فنحن أيضاً إذ يُحْدِقُ بنا مثل هذه السحابة من الشهود فلنُلقِ عنَّا كل ثِقْلٍ وكل خطيئةٍ محيطةٍ بنا ،ولنُساِبقْ بالصبر في الجهاد الذي أمامنا ناظرين إلى رئيس الايمان ومكمله يسوع”.(عبرانيين 12 : 1-2)
إن هذا الجهاد الموضوع أمامنا الذي نحن مدعوون إليه أيها الإخوة الأحباء ، ليس صعباً ولا مستحيل ، وذلك لأن لنا مُعينٌ ألا وهي والدة الإله الدائمة البتولية مريم مع سحابة القديسين ،والقديس الذي نكرمه اليوم أبينا البار جراسيموس الذي ظهر كمدبرٍ وراعٍ حقيقي لقطيع المسيح وزينة إلهية لفلسطين هذا لأن أبينا البار القديس صُلِبَ مع المسيح وصار مشاركاً في قيامته المجيدة.
وإذ نحن موجودون في منتصف ميدان الصوم الكبير أيها الإخوة ،فلنحاول بواسطة الصوم أن نفتح أبواب قلوبنا المغلقة بالأنانية ومحبة الذات ، أمام تحنن ربنا ومخلصنا يسوع المسيح ومحبته للبشر، لأنه، (إذ قد جزنا انتصاف ميدان الصيام الأربعيني فهلمَّ بنا نعزم على مرافقة المسيح إلى الآلام الإلهية لكي إذا صُلبنا معه نساهم قيامته )…يقول المرنم .
إن زمان الصوم المقدس هو جوهرياً زمان توبة ،والتوبة بحسب القديس يوحنا السلمي :”هي تعهدٌ لله بحياةٍ ثانية ، التوبة هي ابنة الرجاء ورفض لليأس”.
لهذا بالحقيقة قد حُدِدَ الصوم المقدس، فبحسب القديس ثيوذروس الإستوذيتي: أن الصوم هو أم العفة ، ومُبِكت الخطيئة ،ومساعد التوبة ،سيرة الملائكة وخلاص البشر.
أضرع إلى ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح بشفاعة أبينا البار جراسيموس أن نقضي بتوبةٍ ما تبقى من زمان الصوم المبارك هاتفين مع المرنم قائلين :”أيها السيد الرب يا ملك الكل أهلنا بواسطة الآلام الصيام والتوبة أن نَملك نحن أيضاً على أهوائنا وملذاتنا الجسدية ، بما أنك صالحٌ لكي نباركك إلى مدى الدهور.
آمين

مكتب السكرتارية العام – بطريركية الروم الأرثوذكسية