كلمة صاحب الغبطة بطريرك المدينة المقدسة كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث بمناسبة عيد بشارة سيدتنا والدة الإله الدائمة البتولية مريم في مدينة الناصرة.

اليوم انكشف السر الذي قبل الدهور وابن الله يصير ابن البشر لكي ما يأخذ الأدنى ويَهبَنا الأفضل.آدم اشتهى التألهُ قديماً فخاب قصدهُ و لم يصر. فصار الإله إنساناً لكي ما يصيرَ آدم إلهاً.فلتبتهج إذن البرية و ترتكض الطبيعة.لأنّ رئيس الملائكة انتصب لدى العذراءِ بوقار واحتشام ٍ و قدّم لها الفرح مقابل الحزن.فيا إلهنا الذي بتحنن مراحمك تأنست المجد لك. هذا ما يرنم به مرنم الكنيسة.
اخوتنا المحبوبين بالرب يسوع المسيح،
أيّها المسيحيون الأتقياء والزوار الكرام،

تُعيّد اليوم كنيسة المسيح بابتهاجٍ وحبور لسر التدبير العظيم الذي لا يُسبر غوره أي المشيئة الإلهية التي قبل الدهور،الذي أعلَنها رئيس الملائكةِ جبرائيل للعذراء مريم في مدينة الناصرة الشهيرة،قائلاً لها: افرحي يا ممتلئة نعمة الرب معك مباركةٌ أنتِ في النساء …، ها إنتِ تحبلين وتلدين ابناً وتسمِّينهُ يسوع.(لوقا 1 :28-30).

ولا شك إن أقوال الملاك هذه أخافت العذراء مريم من جهةٍ وذلك بحسب شهادة الانجيلي لوقا الصادقة (1: 29)،ولكن من جهةٍ أخرى قد شكلت “علامةَ مقاومة” (لوقا 2 :34) لإنها “أي أقوال الملاك ” نتج عنها الشك والانقسام بين المؤمنين وغير المؤمنين،بين المدافعين عنها بحماسةٍ حتى الدم،وبين محاربيها بالرفض كما يقول مرنم الكنيسة عن العذراء مريم : “إفرحي يا سَماعًا، عند الكُفَّارِ، مُلتبِسًا افرحي يا فخرًا للمؤمنين لا يخامُرهُ التِباس”.
إن الشك يا أحبتي هو الذي يُعذِب عقول البشر المنكرين وجود الله والذين يرفضون الله كخالق للكونويُرهقهم.فالذي يؤمن ببشارة العذراء والدة الإله الدائمة البتولية مريم،وأنه من دمائها الطاهرة قد صار ابن الله، ابن الإنسان،قادرٌ أن يُقر ويعترف بأنّه: فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ.هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ.فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ” (يو 1 :1-5).
إنّ نور الحياة،أي المسيح،هو بالحقيقةِ ما وهبتهُ ومنَحتهُ لنا العذراء مريم والدة الإله عندما أصبحت أماً لله ربنا ومخلصنا يسوع المسيح بحسب طبيعتهِ البشرية:”ثُمَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا قَائِلاً:أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ”(يو8 :12).
وهنا أريد أن أنوه إلى نقطةٍ ذكرها المرنم قائلاً:لقد اشتهى آدم قديماً أن يصير إلهاً ففشل، وربما يتساءل المرء لماذا فشل آدم أن يصير إلهاً؟؟ الحقيقة إنّ الإنسان الذي يسير في الظلمة أي في الكذب والغش والخداع،يفشل أن يحقّق ما يصبو إليه، وللاسف إنّ هذة الرغبات والشهوات تظهر في إنساننا المعاصر،أعني به ذلك الإنسان الذي يركع ويسجد للخليقة دون الله الخالق .
وربما يتساءل المرء لماذا نُكرّم بشارة سيدتنا والدة الإله بشكل خاص ؟إننا نكرّم هذه البشارة لأنّ إلهنا يسوع المسيح الذي تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنس “أراد أن يؤله آدمَ، وأن يحقق لآدمَما فشل آدمُ نفسُه في الوصول إليه وتحقيقه،لذلك يقول ناظم التسابيح أن الإله صارَ إنساناً لكي ما يصيرَ الإنسانُ إلهاً” .
فهذا هو السبب الذي لأجله نُكرّم عيد بشارة سيدتنا والدة الإله ونهتف مع المرتل قائلين “اليوم رأس خلاصنا. وإعلان السر الذي منذ الدهور فإنّ ابن الله يصيرُ ابن العذراء.وجبرائيل يبشّر بالنعمة.فلنهتفنَّ نحن أيضاً معه نحو والدة الإله قائلين: افرحي يا ممتلئة نعمة الرب معك”.
وربما يظنُ أحدٌ ما إنّ مسيحيي الكنيسة فقط هم الذين يشاركُون نعمة عيد بشارة سيدتنا والدة الإله وفرحه!ولكن نقول لهم لا،بل جميع البشر قاطبةًيشاركُون نعمة عيد بشارة سيدتنا والدة الإله وفرحه، ولكن لماذا نقول هذا؟
وذلك لأن آباء كنيستنا الملهمين من الله يعلِّموننا قائلين:”إن الله قال لحواء قديماً إنّك بالأحزان تحبلين وتلدين،فها حزن حواء يَنحلُ من خلال هذا الفرح أي فرح البشارة”، وهذا الفرح لجميع الجنس البشري،وذلك لإن الإله الكلمة، الأقنوم،عند تجسده أخذ كل ما لطبيعتنا البشرية من خواص ماعدا الخطيئة.
وعلينا ألا ننسى في فرحة هذا اليومأيضاً أيها الأخوة المحبوبون أنّنا مدعوون لنلتقي لتنازل ربنا يسوع المسيح الطوعيّ لأجلنا وموته على الصليب.
إن ذكرى توافق هذين العيدين يرمزان إلى الحزن المبهج، أي عيد بشارة الفرح من جهة وإعلان آلام ابن الإنسان من جهةٍ أخرى، وهذان العيدان يوضحان بالأحرى الطريقة التي لا تدرك، طريقة علاقة الله بالإنسان،وعلاقة الطبيعي مع الذي يسمو على الطبيعة،وخصوصاً علاقة الحياة والموت موت الفساد أي الخطيئة وموت عدم الفساد اي الخلاص بالمسيح.
ان هذا السرالعظيم غيرالمدرك يصبح مفهوماً ومدركاً عندما يوضع داخل إطار ما أُعلِن للعالم من التاريخ المقدس،أي الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد حيث يظهر الله الخير المطلق والمحب البشر، كديّانٍ لهذا العالم وذلك بحسب قول ربنا يسوع المسيح:لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ: إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي(أي الروح القدس)، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ. وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ.(يو16: 7-8).
ختاماً يا أحبتي أشكر الله الآب وأتضرع إلى ابنه الوحيد،كلمته،ابن العذراء مريم أن يشرقُ علينا، وعلى حكام هذا العالم بنوره الإلهي الذي لا يدرك،نور القيامة قائلين مع رئيس الملائكة جبرائيل: افرحي يا والدة الإله العذراء مريم يا ممتلئة نعمة، الرب معك، مباركةٌ أنتِ في النساء ومباركٌ ثمر بطنكِ،لأنك ولدت مخلص نفوسنا. فصحٌ مجيدٌ للجميع.آمين

مكتب السكرتاريةالعام – بطريركية الروم الأرثوذكسية