كلمة صاحب الغبطة بطريرك المدينة المقدسة آوروشليم كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث بمناسبة عيد أبينا البار جراسيموس 17-3-2016

يقولُ مرنمُ الكنيسة :”إن البرايا كلَّها تعيّد لتذكار قديسيك ياربُّ .السماوت تبتهجُ مع الملائكة .والأرض تُسرُّ مع الناس .فبطلباتهم اللَّهمَّ ارحمنا” .
أيها الأخوة المحبوبون بالرب يسوع المسيح،
أيها المسيحيون الزوار الأتقياء،
حقاً إنَّ البرايا كلَّها تُعيّدُ اليومَ، ويبتهجُ على وجهِ الخصوص مُحيطِ نهر الأردن في تذكار أبينا البار جراسيموس الذي في الأردن ، في هذا الموضع حيثُ مكان تنسُكِهِ و تكللّه بالإكليل غير البالي ،أي تألههِ بالنعمة.
فقد نجحَ أبينا البار جراسيموس بالإقتداءِ و التمثلِ بالأنبياء و النُسَّاك العِظام كالقديس يوحنا المعمدان، فاستنار من نور” مَلاكِ الرأيّ العظيم” (اشعيا 9: 6) أي المسيح فأضحى نجماً في صحراء الأردن ،وليس هذا فقط، فقد لمع مؤخراً أيضاً نجمٌ جديدٌ في هذة المنطقة هو القديس البار يوحنا الخوزيفي الجديد. فها قد عرفنا الآن لماذا، السماوت تبتهجُ مع الملائكة . والأرض تُسرُّ مع الناس.وذلك لأن” نُورُ الصِّدِّيقِينَ يُفَرِّحُ، وَسِرَاجُ الأَشْرَارِ يَنْطَفِئ(أمثال 13 : 9 )
ويقصدُ كاتب سفر الأمثال بأن الناس الصديقين، يشِعُ دائماً داخلهم نوراً وحياةً وفرحاً في المسيح. وعلى العكس من ذلك فإنَّ نور وفرح وحياة الأشرار أي غير المؤمنين تنطفئ و تخبو بسرعةٍ .

” إن تذكار قديسيكَ يا ربُّ هو فردوساً في عدن ” يقول مرنم الكنيسة إنَّ هذا الفردوس أيها الإخوة الأحبة هو كنيسة الله ،والمسيح هو شجرة الحياة والنور والبر المغروسة في الكنيسة ،إن هذه الشجرة هي سر الشكر الإلهي أي جسد ودم مخلصنا يسوع المسيح “الذي بأكلنا منه نحيا ولا نموت مثل آدم قديماً” من شجرة الحياة هذه “أي سر الشكر الإلهي” قد أكل جميع قديسي الكنيسة وبالطبع كان منهم أبينا البار جراسيموس ،الذي أخصب البرية الجدباء بأتعابه النسكية وزرعها بشجرة الحياة في المسيح .لهذا فإن ذكراه العطرة تنير نفوس الأتقياء وتطرد ظلام الأهواء والتجارب وتمحق قتام الشياطين .
بكلامٍ آخر أيها الإخوة الأحبة إن تذكار عيد أبينا البار جراسيموس ومشاركتنا في هذا العيد يوضّح الطريقة الروحية والعملية لشفاء نفوسنا من الجروح .وإن الدواء الناجح للشفاء من جروح النفس ولكافة الأمراض هي التوبة والإعتراف لأن الرب يقول :” فَاذْهَبُوا وَتَعَلَّمُوا مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ”. (متى 9 : 13) . ويقول القديس يعقوب أخي الرب مفسراً أقوال المسيح هذه :” وَصَلاَةُ الإِيمَانِ تَشْفِي الْمَرِيضَ، وَالرَّبُّ يُقِيمُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ خَطِيَّةً تُغْفَرُ لَهْ.اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالزَّلاَتِ، وَصَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ، لِكَيْ تُشْفَوْا. طَلِبَةُ الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا. (يعقوب 5 : 15-16).
إن الفاعل والمُآزِرَ للتوبة هو الصوم المقدس الذي علّمنا إياه الرب نفسهُ ،مُعطياً ذاتهُ نموذجاً لنا وذلك عندما صام أربعين يوماً” ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ.فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً،جَاعَ أَخِيراً”.(متى 4 : 1-2).
ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم عن الصوم” أنَّ الصوم هو غذاءٌ للنفس ، فكما أنَّ الطعام الجسدي يدسم الجسد ، هكذا الصوم ينعش النفس ويمدها بأجنحةٍ خفيفةٍ ، ويجعلها تُحلِقُ في الأعالي ، ويُعطيها القدرة على أنّ تتأملَ فيما فوق ، ويرفعها فوقَ شهوات وملذاتِ العالم الحاضر
لهذا السبب فإن آدم القديم قد سكن الفردوس الذي زُرِعَ من الله بطريقة لا يعلمها إلا الله وحده وذلك ، لكي يتمكن آدم من معاينة الله والتحدث معه وجهاً لوجه ، مستلماً في الفردوسِ وصيةً من الله ، حددت له صوماً يليقُ بهِ والذي يعني إنّ حفظ هذه الوصية وتمسكَ بها سيبقى خالداً للأبد دون تعبٍ ولا حزنٍ كما يؤكد هذا القديس غريغوريوس بالاماس .
وبحسبِ مرنمُ الكنيسة فإنّ البار القديس جراسيموس قد تسلّح بأسلحة التوبة والإعتراف ،وبالتوبة ارتقى إلى علو مشاهدة الله العقلية ومتلقناً لأسرار المسيح الإلهيةِ بوضوح .
وبكلامٍ آخر إنَّ أبينا البار القديس جراسيموس قد صارَ معايناً لله أيّ مشاهدٌ لمجدِ الله الذي لا يسبَرُ غوره كما يقول مرنم الكنيسة :”لقد كانت رغبة نفسك موجهةٌ فقط إلى الأزليات غير الفانيات فاستحققتَ ذلك كما اشتهيت يا جراسيموس”.
وهذا يعني أنّ القديس جراسيموس قد استحق الشركة مع آدم الجديد، أي المسيح ،في”كَنِيسَةُ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي السَّمَاوَاتِ (عبرانيين 12 : 23).
لهذا السبب فإنَّ كنيستنا المقدسة تدعونا للتوبة ومعرفة ذواتنا وخصوصاً في هذه الأيام المباركة التي هي “زمن الصوم الأربعيني الكبير” . والذي في خلال هذا الميدان المبارك تُعرضُ أمامنا أمثلةً حيةً للتوبة و الإعتراف والخشوع والإنسحاق ورغبة نحو الأبديات غير الفانيات . ومن هذه الأمثلة نذكرُ هنا تواضع العشار، وعودة الإبن الضال لذاته ولرشدهِ ، وتوبة القديسة مريم المصرية المغبوطة ،وإنارة الروح القدس لآباء كنيستنا المتوشحين بالله أمثالَ القديس يوحنا السلمي والقديس غريغوريوس بالاماس وبالطبعِ من نُعَيّدُ لهُ ونكرِمهُ اليوم أبينا البار القديس جراسيموس .
إن ما وردَ ذكرهُ من الأمثلة تدعونا اليوم لأنّ نطرحَ عنّا الإنسان القديم وأن نلّبس الإنسان الجديد ،أي المسيح ،الذي صُلب وقام لأجلنا.
ختاماً نتضرعُ إلى إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح وبتضرعاتِ سيدتنا القديسة والدة الإله الدائمة البتولية مريم و مُسبحينَ الإله الذي مجَّدَ أبينا البار جراسيموس هاتفين مع مرنم الكنيسة القديس يوحنا الدمشقي قائلين :”ما دام علاج التوبة جاهزاً لكِ يا نفسي تقدَّمي إلى طبيب النفوس والأجساد.وخُرّي له ساجدةً.واهتفي نحوهُ متنهدةً اعتقني يا محبَّ البشر من ذنوبي.واحصِني مع الزانية واللص والعشار. وامنحني اللهم غفران آثامي وخلصني “.
آمين