كلمة صاحب الغبطة بطريرك المدينة المقدسة كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث بمناسبة عيد رفع الصليب الكريم المحيي في دير الصليب في الناصرة 2-10-2016

إنَّ عود الحياة بانتشالهِ اليوم من أعماق الأرض يحقّق قيامة المسيح الذي عُلّق عليهِ. وبرفعهِ بين أيدي الكهنة يُخبّر بارتفاع المسيح إلى السماءِ. الذي بهِ نهضت طبيعتنا من سقوطها إلى الأرض. فلنهتفنَّ عن شكرٍ قائلين ياربُّ يا مَن رٌفع عليهِ فرفعنا بهِ معهُ أهّلنا نحن مسبّحيك للفرح السماوي.” هذا ما يتفوه بهِ مرنم الكنيسة
أيها الإخوة المحبوبون في المسيح
أيها المسيحيون الأتقياء
تَحتفلُ كنيستنا المقدسة اليوم بعيدِ رفعِ الصليب الكريم المحيي في العالم كلهِ. إنّ كنيسة آوروشليم المقدسة تُوقِرُ باحترام وإجلال هذا العيد العظيم وذلك لسببين، فمن جهةٍ في هذا المكان وهذه الأرض المقدسة قد تم إيجاد خشبة الصليب المباركة ومن جهةٍ أخرى ففي كنيسة القيامة توجد الجلجلة مكان صلب مخلصنا المسيح وقبرهُ الفارغ.
إنّ اجتماعنا اليوم في هذا القداس الإلهي في هذه الكنيسة التي تحمل اسم الصليب الكريم ما هو إلا امتداد للعيد وللاحتفال الذي تممناهُ في كنيسة القيامة في مدينة آوروشليم المقدسة. يقول مرنم الكنيسة لقد سبقت أصوات الأنبياء فأنبأت بالعود المقدس، الذي بهِ أُعتقَ آدم من اللعنة القديمة أي الموت وقد دخل هذا الموت بسبب عصيان الجدين الأولين لوصية الله ومن جراء انانية الشيطان وتكبره أيضاً والذي من خلاله حدث السقوط لعجينة أي طبيعة البشر لهذا فإن القديس بولس الرسول يقول نَقُّوا مِنْكُمُ الْخَمِيرَةَ الْعَتِيقَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا عَجِينًا جَدِيدًا (1 كور 5: 7) في المسيح.

إن أهمية الصليب تعود لأن على عود الصليب قد سُمِرَ وعانى عليهِ الموت المهين والذريع ابن الله الذي أصبح ابن العذراء أي ربنا ومخلصنا يسوع المسيح كما يقول القديس بولس الرسول لَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً للهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. (فيليبي 2 :6-8)
وبكلامٍ آخر أيها الأخوة الأحبة إنَّ عود الصليب قد صار وسيلةً أو بالحري أداةً حصل من خلالها التواضع الأقصى والذي لأجلهِ تحدث القديس بولس الرسول قائلاً: وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ (غلاطية 14:6)
ويُفسرُ القديس يوحنا الذهبي أقوال القديس بولس الرسول هذه ويقول: ما هو افتخار الصليب؟ إنّ المسيح قد أخذ شكلَ عبدٍ وقد عانى واحتمل لأجلي ما احتمله، أنا العبد ناكر المعروف وبالرغم من كل هذا فقد أحبني وأَسلَمَ ذاته ليُصلَب من أجلي.
إن الصليب الذي هو حكمة الله وقوته الذي ينتصرَ على الضعف ومرض الطبيعة البشرية وقد تم هذا من خلال التواضع كما يقول القديس غريغوريوس بالاماس “فهو أي بالصليب ننتصر بالضعف والوهن ونرتفع ونعلو بالتواضع “. إن علامة الصليب الخلاصية والجليلة هي الختم المقدس وهي المكملة لجميع الخيرات الفائقة الطبيعة والتي لا يسبر غورها والتي تعمل في البشر من الله، فقوة الصليب هي التي أبطلت اللعنة وحكم الموت على البشر إن الصليب قد حطم الموت والفساد فهو يحوي الحياة الأبدية والبركة وهو العود الخلاصي والصولجان الملكي وراية الظفر الإلهي على الأعداء المنظورين والغير المنظورين وحتى أتباع الأفكار الجسدانية والشهوانية والهرطقات (لهذا العالم المعاصر) يَنتابهم الجنون عندما يسمعون الكلام عن الصليب.
ويكمل القديس قائلاً: على عود الصليب مات المسيح مُسَمِّراً عليه الصك الذي كُتِبَ علينا بعصياننا ومزقه على الصليب. فتقهقرت رؤساء وسلاطين الظلام والأرواح الخبيثة التي استحوذت علينا بسبب عود المعصية قديماً وابتعدوا خجلين عنا. ونحن انتصرنا بالمسيح واستعدنا الحرية وتصالحنا مع الله بالصليب ومن خلال الصليب مع المسيح” وَلكِنِ الآنَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً بَعِيدِينَ، صِرْتُمْ قَرِيبِينَ بِدَمِ الْمَسِيحِ.لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ. وَيُصَالِحَ الاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ، قَاتِلاً الْعَدَاوَةَ بِهِ”.(أفسس 2: 13-14، 16) و لقد أوضح الرب القوة الإلهية والحرية التي يمتلكها الصليب الكريم لجنس البشر وذلك عندما قال:”مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي. (مرقس 8: 34).
(فلينكر بنفسه أي لا يملك شيئاً له)، وبكلامٍ آخر إننا مدعوون لكي نقطع كل علاقةٍ بالأهواء التي تسيطر علينا، متمثلين بالمسيح وبصليبه الكريم الذي تَشَبّه وتمثّل به جميع قديسي كنيستنا. وهؤلاء القديسين وشهداء محبة المسيح قد مَجَّدوا وعَظَّموا المسيح مُظهرين للعالم بأن الصليب هو راية ظفرٍ لا تُقهر.
هلموا أيها الإخوة الأحبة نسجد لصليب ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الحامل الحياة، ومع المرتل نهتف قائلين:” هلمّوا يا شعوب لدى معاينتنا العجب الباهر نسجد لقوّة الصليب. فإنَّ العود في الفردوس أنتج الموت. وأما عود الصليب فبتسمير الربّ البريء من الخطيئة عليه قد أزهر لنا بالحياة. والآن فإذ كنّا نحن الأُمَم كلُّنا نجني منه عدم البلَى نصرخ قائلين يامَن بالصليب نقض الموت وأعتقنا المجد لك.
آمين