كلمة صاحب الغبطة بطريرك المدينة المقدسة كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث بمناسبة عيد القديس النبي إيليا التسبيّ 2-8-2017

وَقَامَ إِيلِيَّا النَّبِيُّ كَالنَّارِ، وَتَوَقَّدَ كَلاَمُهُ كَالْمِشْعَلِ .أَغْلَقَ السَّمَاءَ بِكَلاَمِ الرَّبِّ، وَأَنْزَلَ مِنْهَا نَاراً ثَلاَثَ مَرَّاتٍ .مَا أَعْظَمَ مَجْدَكَ، يَا إِيلِيَّا، بِعَجَائِبِكَ! (سيراخ 48: 1-4) هذا ما يقوله سيراخ في كتابهِ

أيها الأخوة المحبوبون بالرب يسوع المسيح،

أيها الزوار المسيحيون الأتقياء،

إنّ الملاك بالجسم، قاعدة الأنبياء وركنهم، السابق الثاني لحضور المسيح، إيليا المجيد الموقر، قد جمعنا اليوم في هذه الكنيسة المُشيّدة على اسمهِ في هذا المكان المقدس لكي نُكَرِمُ تذكارهُ السنويّ الموقر بفرحٍ وابتهاج.

ينحدر إيليا النبي من “تِشبه” التي في جلعاد من آراض العربية من سبط نفتالي، هو شيخ الأنبياء في العهد القديم ونموذج الغيرة الإلهية ومبشرٌ أصيلٌ بلا منازع للديانة الاخلاقية ألا وهي عبادة الله الواحد، كما تشهدُ بذلك حياته النسكية وعجائبه. وكذلك عند تجلي ربنا ومخلصنا يسوع المسيح وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ. (متى 17: 2-3)

ويورِدُ لنا القديس يعقوب أخو الرب في رسالتهِ الجامعة عن قوة الصلاة مستشهداً بنموذج صلاة النبي إيليا إذ يقول: “كَانَ إِيلِيَّا إِنْسَانًا تَحْتَ الآلاَمِ مِثْلَنَا، وَصَلَّى صَلاَةً أَنْ لاَ تُمْطِرَ، فَلَمْ تُمْطِرْ عَلَى الأَرْضِ ثَلاَثَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ .ثُمَّ صَلَّى أَيْضًا، فَأَعْطَتِ السَّمَاءُ مَطَرًا، وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ ثَمَرَهَا.”(يع 5: 17 -18).

ومن الجدير بالذكر بأن قوة صلاة النبي إيليا كان مَنْبعُها غيرتهُ الإلهية أي إيمانهُ غير المتزعزع بالله. وأما ظهور النبي وانتقاله الفجائييْن يشيران إلى تدخل الله في تاريخ البشر الذين ينتهكون ويدسون الحقيقة بحياتهم الفاحشة وبشتى أشكال وأنواع

العبادات الوثنية كما يقول القديس بولس الرسول لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ .إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ (رو 1 :18-19)

وبكلامٍ آخر أيها الأخوة الأحبة إنّ غضب الله هنا في هذه الحالة يظهرُ من خلال غيرة النبي الإلهية والذي لا يستطيعُ النبي هنا، أن يفهمَ ويُدرِكَ أنّ الله أولاً وقبل كل شيءٍ هو إلهٌ طويل الأناة ومحبٌ للبشر منتظراً دوماً توبة البشر كما يقول يوئيل النبي:” ارْجِعُوا إِلَى الرَّبِّ إِلهِكُمْ لأَنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّأْفَةِ وَيَنْدَمُ عَلَى الشَّرِّ (يوئيل 2: 13) الذي يعني أن الله يغيَّر قضاءه. إذ تتغيَّر معاملته للإنسان، طبقًا لتغيُّر موقف الإنسان.

ويفسرُ ثيوذورس مومبسوستياس أقوال القديس بولس الرسول قائلاً: “حسناً قال القديس بولس الرسول إنّ غضب الله معلنٌ في العالم، ولكن الله بما أنّهُ عادِمُ الشر فهو ينتظرُ حتى الدينونة الأخيرة لأنهُ لا يرغبُ بهلاكِ وعقاب جبلتهُ.

صَنَعَ إيليا فِي حَيَاتِهِ الآيَاتِ، وَبَعْدَ انتقالهِ الأَعْمَالَ الْعَجِيبَةَ (سيراخ 48 :14). فمع العلامات والعجائب التي اجترحها النبي إيليا، دَوّى صوتهُ صادحاً في عصرٍ زاغَ فيهِ شعبُ الله وتضرر بسبب الخطيئة والفساد من جهةٍ ومن كثرة المعتقدات الدينية من الجهة الأخرى كما يشهدُ بذلك كتاب سفر الملوك الثالث (بحسب الترجمة السبعينية) حيثُ نقرأُ ” وَإِذَا بِصَوْتٍ إِلَيْهِ يَقُولُ: «مَا لَكَ ههُنَا يَا إِيلِيَّا؟ فَقَالَ: «غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلهِ الْجُنُودِ، لأَنَّ شعبك قَدْ تَرَكُوا عَهْدَكَ، وَنَقَضُوا مَذَابِحَكَ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ، فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لِيَأْخُذُوهَا. (3 مل 19 :13 _ 14) عندها أجابهُ الرب موبخاً إياهُ:” لستَ وحدكَ من لم يَجْثُ للبعل، فقَدْ أَبْقَيْتُ سَبْعَةَ آلاَفٍ، كُلَّ الرُّكَبِ الَّتِي لَمْ تَجْثُ لِلْبَعْلِ. (3 مل 19: 18).

إن الصوت الناقد والحاسم للنبي إيليا، هذا القديس الذي تكرمهُ اليوم كنيستنا المقدسة لا يخصُ فقط مجتمع ذلك العصر الذي كان يحيا بهِ، بل أيضاً عصرنا الحالي الذي يتميز مع الأسف بهبوطهِ وانحدار مستواه الأخلاقي وانحراف قيمهِ الدينية بشكلٍ عام ومبادئه الإيمانية المسيحية بشكلٍ خاص.

وبكلامٍ آخر أيها الأخوة الأحبة إنّ صوت قديسنا إيليا النبي يستنكِرُ بشدةٍ الظلم وعبادة الأوثان وعبادة الأهواء والآلهة الكاذبة ويعترضُ بشدةٍ على الإلحاد والكفرِ

بإله المحبة والبر والنور والحق ويستهجن الإثم والارتداد والانشقاقات ويعترفُ إيليا النبي في آنٍ واحدٍ ويكرزُ بأنّ الله حيٌّ وهو حاضرٌ وهو إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيعقوب ويتضرعُ إليهِ قائلاً:” اسْتَجِبْنِي يَا رَبُّ اسْتَجِبْنِي (بنارٍ)، لِيَعْلَمَ هذَا الشَّعْبُ أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ الإِلهُ، وَأَنَّكَ أَنْتَ حَوَّلْتَ قُلُوبَهُمْ رُجُوعًا (3 مل 18 :37 ) أي أنت ياربُّ هو الإله الحقيقي، أنت القادر أن تحوِّل قلوب البشر عن الضلالة لكي يعرفوك و يتبعوك. لقد سمِعَ الرب الإله لصوت إيليا النبي فأرسلَ ناراً من السماء ودمَّر مذبح البعل الإله الكاذب.

ختاماً نتضرعُ نحنُ بإيمانٍ وحرارةٍ إلى إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح أن يرحم ويخلص نفوسنا بشفاعات سيدتنا والدة الإله الدائمة البتولية مريم وبتوسلات النبي المجيد الموقر إيليا.

آمين