كلمة صاحب الغبطة بطريرك المدينة المقدسة كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث بمناسبة عيد القديس الرسول يعقوب أخي الرب أول رؤساء أساقفة آوروشليم 5-11-2017

يَعْقُوبُ، عَبْدُ اللهِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، يُهْدِي السَّلاَمَ إِلَى الاثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا الَّذِينَ فِي الشَّتَاتِ. اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا. وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ. (يع 1: 1-4)

وبكلامٍ آخر احسبوه كل فرحٍ أيها الإخوة عندما تقعون داخل التجارب والأحزان المتنوعة وستفرحون في هذه الأحزان والتجارب عندما تعلمون بأنّ إيمانكم يُمتحن عبر الأحزان فيُنشئ ذلك صبراً وقدرةً على التحمل وليكن هذا الصبر غير متزعزع فيُنشئ ثمار كمالِكم حتى تكونوا كاملينَ وتامينَ ولا ينقصكم شيء، هذا ما يعلّمه القديس يعقوب أخي الرب.

أيها الإخوة المحبوبون في المسيح،

أيها المسيحيون الزوار الأتقياء

مبارك الله أبو ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الذي أهلنا جميعاً في هذا اليوم البهيّ وهذا النهار المبارك لكي نعيّدَ لتذكار البار المؤمن شهيد المسيح القديس يعقوب أخو الرب أول رئيس أساقفة آوروشليم.

إن لأبينا القديس يعقوب مكانةً مميزةً في كنيسة المسيح المقدسة وذلك لأن به قد اجتمعت الصفات أو بالأحرى الرتب الثلاثة “الرسولية” و”رئاسة الكهنوت” و”عضوية المجمع” كما يشهد بذلك ويؤكد عليه مرنم الكنيسة قائلاً: إنك بصفة تلميذٍ للربّ اقتبلت الإنجيل، وبصفة شهيد لا تُرَدُّ خائباً وبصفة أخٍ للإله لك الدالة عليه. وبصفة رئيس كهنةٍ لك حقُّ الشفاعة. فتشفع إلى المسيح الإله في خلاص نفوسنا.

يحثنا القديس يعقوب رئيس الكهنة في رسالته الجامعة أن نواجه بفرحٍ التجارب وهذا لأَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا. (يع 1: 3). وبكلام آخر إنّ الإيمان الطاهر والأصيل يُظهر ويكشفُ من هم أحباء الله من خلال التجارب والمحن كما يؤكد بذلك القديس ثيوفيلكتوس إذ يقول “بأن التجارب تصيرُ سبباً للفرح لدى القديسين وذلك لأن التجارب والمحن تُبرهن وتُظهر قداستهم.”

إنّ الصبر لأجل المسيح والذي يعلَّمُ عنه القديس يعقوب ليس له علاقة باللامبالاة الفلسفية والتي تُظهر الإنسان الذي يتعرض لهذه التجارب والأحزان كأنه سلبي وغير مضطرب وبدون إحساس. ولكن الصبر لأجل المسيح هو ظفرٌ وتغلبٌ على الأحزان غير منقصة أو مزيلة شيئاً من شجاعة ونشاط المؤمن بل على العكس تماماً تُقوي وتُشدد إيمانه وتحركه نحو الشكر والعرفان لله وتُكثر من قوته وتُلهبه غيرة ومحبة لله. وعندما نصبُر بجلادةٍ واضعين في فكرنا بأن الله هو الذي سمح لنا بهذه التجربة وبكل تجربة “ومهما طالت مدتها”. فإن قبلناها (أي للتجربة) بطاعةٍ إلى حدٍ لا نفقد فيه سلامنا الداخلي بل شاعرين بفرحٍ بهذه التجربة حتماً سيكون عندها صبرنا عملاً كاملاً وتاماً.

إن هذا العمل الكامل ليس هو إلا اكتساب النضوج الروحي والذي من خلال هذا النضوج سنحصل على المواهب وكمال المسيح الأخلاقي كما يكرز القديس بولس الرسول: إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِل. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ. (أفسس 4: 13)

وبحسب القديس يعقوب: طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَةَ، لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى يَنَالُ «إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ» الَّذِي وَعَدَ بِهِ الرَّبُّ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ. (يعقوب 1: 12)

إنّ «إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ» أي الحياة الأبدية في المسيح قد حازَ عليها قديسنا الرسول يعقوب وذلك من خلال استشهاده فأصبح بذلك نموذجاً يُحتذى به في الصبر والطاعة كما يقول بولس الرسول: لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ. (رومية 14: 17)

قد تذوق مسبقاً هذا البر والسلام والفرح في الروح القدس جميع الذين يعرفون بأن الكنيسة ليست منظمة اجتماعية على الأرض بل هي جسد المسيح السري كما يقول بولس الرسول بأَنَّ الْمَسِيحَ هو رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ. (أفسس 5: 23)

إن رئيس الكهنة الذي تكرمه اليوم كنيستنا المقدسة يدعونا لكي نخضع لله ونطيعهُ وأن نقف ونصدَّ حيلَ الشيطان ونقترب من الله حتى يقترب الله إلى قلوبنا فَاخْضَعُوا للهِ. قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ.اِقْتَرِبُوا إِلَى اللهِ فَيَقْتَرِبَ إِلَيْكُمْ. نَقُّوا أَيْدِيَكُمْ أَيُّهَا الْخُطَاةُ، وَطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ يَا ذَوِي الرَّأْيَيْنِ. (يعقوب 4: 7-8)

ويقول هذا القديس يعقوب متوجهاً بالأحرى إلى أولئك المسيحيين المشكوك بإيمانهم الذين يشبهون أمواج البحر إذ يرغبون هؤلاء بأن يمتلكوا في آنٍ واحد على الله وعلى المال إذ يعبدون في وقت واحد الله والمال. لهذا فهو يؤكد بشدةٍ بأن الرَجُلٌ ذُو رَأْيَيْنِ هُوَ مُتَقَلْقِلٌ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ. (يع 1: 8)

ويفسر القديس أثناسيوس الكبير أقوال القديس يعقوب هذه إذ يقول: بأن الإنسان ذوي النَفَسَيْن “الرأيين” هم أولئك الذين ليس لديهم فكرة واحدة ثابتة بل هم باستمرار يغيرون أفكارهم فتارةً يُمجدون ويمدحون هذه الفكرة بأقوالهم وكلامهم وتارة يرفضون ويزدرون بتلك التي مجدوها سابقاً.

أيها الإخوة الأحبة إنّ الأيام التي نحيا فيها هي أَيَّامٌ شِرِّيرَةٌ. (أفس5 :16) لهذا فلنسمع القديس بولس الرسول قائلاً: فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِالتَّدْقِيقِ، لاَ كَجُهَلاَءَ بَلْ كَحُكَمَاءَ، مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ. (أفسس 5: 15-16) ولنقل مع القديس يعقوب أخو الرب: هَا نَحْنُ نُطَوِّبُ الصَّابِرِينَ. (يعقوب 5: 11) أي فلنعتبر أولئك الصابرين بأنهم سعداء ومغبوطون.

ختاماً نتضرع إلى القديس يعقوب بما له من الدالة للمسيح بصفته أخٍ للإله وبشفاعاته بصفته رئيس كهنة يتشفع إلى المسيح إلهنا من أجل خلاص نفوسنا وأن تتوقف الحروب في منطقتنا ويعم الهدوء والسلام في قلوب الساكنين في هذه الأرض وفي العالم أجمع.

آمين