مُعايدة صاحب الغبطة بطريرك المدينة المقدسة كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث بمناسبة عيد ختانة ربنا يسوع المسيح بالجسد وتذكار أبينا القديس الجليل باسيليوس الكبير 14-1-2018

قال الرب للرسل” لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ” (أعمال 1: 7).

ويُفسر القديس غريغوريوس النيصصي أقوال الرب هذه قائلاً: “إنَّ الآبَ الذي لا بِدءَ لهُ هو الذي يُسيْطِرُ ويُدِيرُ الأزمنة والأوقات، ولهذا السبب نحنُ نُدركُ أنَّ أي شيءٍ له علاقة مع الأزمنة والأوقات وأي شيءٍ له بداية ونهاية يكون خاضعٌ لسلطان الآب”.

لقد جمعتنا اليوم كنيستنا المقدسة في هذا المكان المقدس في بطريركية آوروشليم العريقة لكي نشكر الإله الواحد المثلث الأقانيم لإطلالةِ سنة البِّر والصلاح الجديدة لربنا ومخلصنا يسوع المسيح الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً للهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. (في 2: 6 _ 7)

إن تغيير وتجديد سنة بر وصلاح مخلصنا وربنا أي زمان كنيستنا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بزمن تاريخ حياة الإنسان الأرضية والذي كما يقول المزمور مِثْلُ الْعُشْبِ أَيَّامُهُ. وكَزَهَرِ الْحَقْلِ كَذلِكَ يُزْهِرُ. لأَنَّه إذا هبَّت عليهِ رِيحًا لا يَثْبُت، وَلاَ يُعرفُ مَوْضِعُهُ بَعْدُ. (مز 102 :15 -16)

ونقول هذا أيها الأخوة الأحبة وذلك لأن مفهوم ومعنى الزمن كماضي، وحاضر ومستقبل لا يدرك أو يُفهم بأنّهُ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً (2 بط 1: 16) بل على حَسَبَ إِعْلاَنِ السِّرِّ الَّذِي كَانَ مَكْتُومًا فِي الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ (رو 16: 25) الذي هو كلمة الله ربنا و مخلصنا يسوع المسيح الذي تأنس من دماء الطاهرة النقية الدائمة البتولية مريم بمؤازرة الروح القدس بحسب شهادة الكتاب المقدس الصادقة رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ….وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ (اشعياء 61 :1-2 / لو 4 :18 -19)

إن” رُوحُ الرَّبِّ” الذي هو أيضاً روح المسيح القدوس الذي يُثبت مؤسسة جسد المسيح السري أي الكنيسة ويجعلها تستمر وتحيا في العالم. وعلينا أن نتضرع ونرجو مع الرسول الحكيم بولس مع دخولنا في الزمن الجديد قائلين:” حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، الَّذِي سَكَبَهُ بِغِنًى عَلَيْنَا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ مُخَلِّصِنَا. (تي 3: 4-6) المسيح الذي هو الْكَائِنِ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي. (رؤ 1: 4)

فمن خلال أقوال الإعلان هذه أصبح جلياً وواضحاً بأن الكنيسة تدخل في داخل واقعنا وحقيقتنا التاريخية الأبدية والدهرية في المسيح وتمتد نحوها. ففي داخل الكنيسة يصبح الزمن وقتاً أي أن الكمية تصير نوعية بحسب أمّونيوس، فتذكار الماضي يصبح تذكاراً في المسيح، ورجاء المستقبل يصبح رجاءً في المسيح لهذا فإن القديس بولس الرسول يستشهد بأقوال النبي اشعياء هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: «فِي وَقْتٍ مقبُولٍ اسْتَجَبْتُكَ، وَفِي يَوْمِ الْخَلاَصِ أَعَنْتُكَ. (اشعياء49: 8) .(2كور 6: 2).

إن الوقت المقبول ويوم الخلاص يختص بعيد اليوم ألا وهو ختانة ربنا ومخلصنا يسوع المسيح بالجسد وأيضاً للذكرى السنوية لأبينا الجليل في القديسين باسيليوس الكبير رئيس أساقفة قيصرية كبادوكية المُظهر للأمور السماوية والذي لإكرام تذكاره المقدس جرت العادة الكنسية بتقطيع كعكة الفاسيلوبيتا التي تحمل اسمه.

إن هذا العيد الكنسي والبطريركي يدعونا أن نفتكر ملياً بأقوال سليمان الحكيم:

لكِنَّكَ تَرْحَمُ جَمِيعَ الناس، لأَنَّكَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَتَتَغَاضَى عَنْ خَطَايَا النَّاسِ لِكَيْ يَتُوبُوا. لأَنَّكَ تُحِبُّ جَمِيعَ الكائنات، وَلاَ تَمْقُتُ شَيْئاً مِمَّا صَنَعْتَ؛ فَإِنَّكَ لَوْ أَبْغَضْتَ شَيْئاً لَما كَوّنتَه. (الحكمة 11: 24-25)

فها أيها الإخوة الأحبة قد فُتِح لنا ميدان التوبة وهذا ما تقدمه لنا اليوم بداية السنة الكنسية، لأن التوبة هي الطريقة لكي نُعيّد فيها افتتاحية الزمن الجديد. وَوَهَبَنِي عِلْماً يَقِيناً بِالكائنات، حَتَّى أَعْرِفَ نِظَامَ الْعَالَمِ وَفاعلية الْعَنَاصِرِ، وَمَبْدَأَ الأَزْمِنَةِ وَمُنْتَهَاهَا وَمَا بَيْنَهُمَا، وَتَغَيُّرَ الأَحْوَالِ وَتَحَوُّلَ الأَوْقَاتِ، ودوائر السنة وَمَرَاكِزَ النُّجُومِ.(حكمة 7: 17-19)

بعد أن أخذنا بعين الاعتبار ما هو مفهوم ومعنى الزمن في المسيح إلهنا، فلنتضرع إذاً لأبينا الجليل في القديسين باسيليوس الكبير رئيس أساقفة كبادوكية المظهر الأمور السماوية، مثقف ومزين أخلاق الناس لكي يتشفع لنا عند مخلصنا الذي اختتن بالجسد من أجل خلاص نفوسنا ومن أجل سلام كل العالم والشرق الأوسط ومنطقتنا ومع المرتل نهتف قائلين:

يا مُبدع الخليقة بأسرها، يا من وضعت الأوقات والأزمنة بذات سلطانك، بارك إكليل السنة بصلاحـك يا رب، واحفـظـنـا بالسلامـة بشفـاعـة والـدة الإلـه وخلصنا واحفظ بسلامٍ أخوية القبر المقدس الاتقياء ورعيتنا المسيحية والمدينة المقدسة آوروشليم وجنسنا الورع.

فليكن مباركاً عام 2018

كل عام وأنتم بألف خير