كلمة صاحب الغبطة بطريرك المدينة المقدسة آوروشليم كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث بمناسبة عيد أبينا البار جراسيموس 17-3-2018

لقد صَعِدتَ على سلم الفضائل ووَصلت إلى علو النظر العقلي، وأظهرت جلياً أسرار المسيح الإلهية أيها المتوشح بالله لهذا نكرمك عن حُسن عبادة ونهتف قائلين: المجد للمسيح الذي أعطاك القوة، المجد للذي كللك، المجد للذي يصنع بك الأشفية للجميع. هذا ما يقوله مرنم الكنيسة.

أيها الأخوة المحبوبون بالرب يسوع المسيح،

أيها المسيحيون الزوار الأتقياء،

إنّ غنى نعمة الروح القدس قد جمعتنا اليوم ههنا في هذه البرية حيث مكان كِرازة القديس والنبي السابق يوحنا المعمدان وتعليمهِ عن التوبة، لكي نُكرمَ بشكرٍ وتمجيدٍ تذكارُ أبينا البار المتوشحُ بالله جراسيموس الذي لمع بالنسك ههنا في محيط نهر الأردن.

لقد سَمِعَ أبينا البار إلى أقوال المزمور الإلهي: هأَنَذَا كُنْتُ أَبْعُدُ هَارِبًا، وَأَبِيتُ فِي الْبَرِّيَّةِ (مز 54 :8). فترك وطنه ليكيا في آسيا الصغرى. حيثُ اقتبل فيها الحياة الرهبانية وأصاب نجاحات كبيرة في مواجهته الأرواح الخبيثة. وانتقل إلى برية الأردن واعتزل متوحداً في إحدى البراري على امتداد نهر الأردن.كما يشهدُ بذلك كيرللس سكيثوبوليتس في كتابهِ “حياة القديسين”.

فكما يشتاق الأيل الظمآن إلى ينابيع المياه هكذا فإن نفس البار جراسيموس قد اشتاقت ورغبت فقط في الله الحي كما يقول داود في المزمور: عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ، إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ. مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ وجهِ اللهِ (مز 41: 3)

وبكلامٍ آخر لقد أدركَ أبينا البار جراسيموس أهميةَ النفسِ وعظمتها، فازدرى الملذات والكنوز الأرضية من أجل الكنوز والخيرات السماوية التي لا تَفسد التي هي البِرّ ومعاينة مجد الله الذي لا يسبرُ غوره بحسب الأقوال الداودية: أَمَّا أَنَا فَبِالْبِرِّ أَظهرُ أمامَ وَجْهَكَ (يا إلهي). وأَشْبَعُ عندما يتجلّى لي مجدك”(مز 16 :15).

وبإسهابٍ أكثر، يعني إنني سوف أقوم بعمل الفضيلة وبالفضيلة، سأرى بعيون نفسي وجه إلهي وستشبعُ نفسي عندما تعاين وتنظرُ بهاء ومجد وجهك يا الله. لأنّ الرب يقول “طُوبَى لأَنْقِيَاءِ الْقَلْوبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ” (متى 5 :9).

وربما يتساءل أحدٌ ما قائلاً ماذا تعني الحياة في المسيحُ؟

إنّ الحياة في المسيح هي جهاد الإنسان المسيحي، كي يفوز ويحصل على اتحاده بالله وبالتالي اكتساب موهبة استنارة الروح القدس، وهذا هو هدف الكنيسة المطلق، لإنّ الكنيسة هي جسد المسيح السري في العالم لأن الرب يقول: أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ (يوحنا 8: 12)

إن “نور الحياة” هي الحياة الدهرية الحقيقية، وقد حصلَ عليها أبينا البار جراسيموس من خلال زُهده الكامل وإنكاره للحياة هذا العالم ومطرباته من جهة ومغادرته إلى الصحراء واعتزالهِ فيها من جهة أخرى. فقد سار أبينا البار جراسيموس على خطى القديس السابق يوحنا المعمدان والرسل والآباء المتوشحين بالله والشهداء والمعترفين والمدافعين ومعاصريه ممن نسكوا في السيرة الملائكية في برية يهوذا وفي محيط نهر الأردن.

إن الحياة في المسيح في الصحراء أيها الإخوة الأحبة ليست هي إلا الحياةُ في مدينة الله الحي (عبرانيين 12: 22) التي هي كنيسة المسيح في آوروشليم السماوية حيث الملائكة مع جميع القديسين يعيدونُ وينشرون الفرح والحبور على الدوام.

في هذه الكنيسة بالضبط، كنيسة المسيح في آوروشليم السماوية حيثُ جوق وجماعة أبناء الله المحبوبين والمختارين الذين كُتبت أسماؤهم في السماوات، فلهذا السبب عينهِ أتينا نحن أيضاً الذين نحمل اسم المسيح إلى الله من خلال كلمة الله الابن الوحيد المتجسد ربنا يسوع المسيح، ابن الله الآب الذي سيقاضي الجميع.

واقتربنا أيضاً من أرواح الصديقين الذين صاروا مُكَمَّلِينَ كما يُعلِّم بولس الإلهي بَلْ قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَإِلَى مَدِينَةِ اللهِ الْحَيِّ أُورُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةِ، وَإِلَى رَبَوَاتٍ هُمْ مَحْفِلُ مَلاَئِكَةٍ، وَكَنِيسَةُ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي السَّمَاوَاتِ، وَإِلَى اللهِ دَيَّانِ الْجَمِيعِ، وَإِلَى أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ (عب 12: 22-23)

فها قد اتضح لنا لماذا يهتف مرنم الكنيسة قائلاً: يا رب إن البرايا بأسرها تعيد لتذكار شهدائك فالسماوات تبتهج مع الملائكة والأرض تفرح مع البشر فبشفاعاتهم اللهم ارحمنا.

حقاً يا أحبتي إن السماوات تبتهج والأرض تفرح اليوم في تذكار أبينا البار المتوشح بالله جراسيموس الأردني الذي صَعِد على سلم الفضائل ووَصل إلى علو النظر العقلي، وعاين مجد الله.

نحن مدعوون اليوم من أبينا البار جراسيموس أيها الإخوة الأحبة للصعود إلى علو النظر العقلي، ومعاينة مجد الله في ميدان هذا الصيام المقدس المبارك كما يقول المرتل: “فلنكبح جماح أهوائنا بالصوم حتى نقترب إلى المسيح بطهارةٍ وبلا هوى”وهذا يعني أن المسيح هو قريبنا وهو ينتظر منّا نحنُ أنّ نقترب إليه بعد أن نطهر ذواتنا خلال زمن الصوم المبارك، إذ إن الصوم هو موبخ الخطيئة وعامل مع التوبة، فالقديس يعقوب الرسول يوصينا قائلاً: فَاخْضَعُوا للهِ. قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ. اِقْتَرِبُوا إِلَى اللهِ فَيَقْتَرِبَ إِلَيْكُمْ. نَقُّوا أَيْدِيَكُمْ أَيُّهَا الْخُطَاةُ، وَطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ يَا ذَوِي الرَّأْيَيْنِ. (يع 4: 7-8).

فلنأتي إلى المسيح إلهنا بشفاعة أم الله الفائقة على كل البركات سيدتنا والدة الإله الدائمة البتولية مريم وبتضرعات أبينا البار جراسيموس ومع المرتل نهتف قائلين: أيها البار جراسيموس إنك ماثل أمام المسيح مع الأبرار فتشفع من أجل الذين يقيمون تذكارك الإلهي وأهلنا أن نقترب من قيامة مخلصنا المسيح المقدسة.