غبطة البطريرك يترأس خدمة القداس الالهي في بلدة برقين

ترأس صاحب الغبطة بطريرك المدينة المقدسة كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث يوم الجمعة 1 شباط 2019 خدمة القداس الإلهي الإحتفالي في بلدة بُرقين الواقعة شمالي مدينة نابلس في منطقة السامرة في الكنيسة المقامة على المغارة التي فيها سكن العشرة برص معزولين عن الناس بسبب مرضهم .

ذُكرت حادثة شفاء العشرة برص على يد السيد المسيح في إنجيل لوقا الإصحاح ال 17.

 ترأس خدمة القداس الالهي غبطة البطريرك كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث يشاركة أصحاب السيادة المطارنة كيريوس كيرياكوس متروبوليت الناصرة, كيريوس أريسترخوس  السكرتير العام للبطريركية, رئيس دير الرعاة في بيت ساحور الأرشمندريت إغناطيوس, الأرشمندريت حنانيا, والآباء الأجلاء الأب سمعان, الأب سبيريدون والأب أثاناسيوس  والشماس الأب ماركوس. ورُتلت خدمة القداس باللغتين اليونانية والعربية وحضر عدد من أهالي البلدة والمنطقة هذه الخدمة المُباركة.
غبطة البطريرك ألقى عظته الروحية في هذه المناسبة :

وَفِيمَا هُوَ دَاخِلٌ إِلَى قَرْيَةٍ اسْتَقْبَلَهُ عَشَرَةُ رِجَال بُرْصٍ، فَوَقَفُوا مِنْ بَعِيدٍ وَرَفَعوُا صَوْتًا قَائِلِينَ: يَا يَسُوعُ، يَا مُعَلِّمُ، ارْحَمْنَا (لوقا 17: 12-13)

أيها الإخوة المحبوبون في المسيح

أيها الزوار الأتقياء

    إنّ رحمةَ رَبنا ومُخلصنا يسوع المسيح التي لا حدّ لها قد قادت أقدامنا اليوم إلى هذا المكان والموقع المُقدس حيث تمَّ شفاء العشرة برص والذي يُعرف بِ بُرقين. لكيّ نقدم نحن أيضاً واجبَ الشكر والعرفان مُمجدين ربنا بابتهاجٍ.

    إنّ موقع برقين المقدس لا يُعرف بأنه مكان شفاء العشرة برص فقط كما ذكر الإنجيلي لوقا البشير بل هو أيضاً مكان شهادةٍ حية بأنّ ربنا يسوع المسيح هو إله تام وإنسان تام وهو الذي تنبأَ عنه اشعياء قديماً: «هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا. (متى 8: 17) وأيضاً يذكر الإنجيلي لوقا في مكان آخر أنهُ ذَاعَ الْخَبَرُ عَنْهُ أَكْثَرَ. فَاجْتَمَعَ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ لِكَيْ يَسْمَعُوا وَيُشْفَوْا بِهِ مِنْ أَمْرَاضِهِمْ.” (لوقا 5: 15).

    إنّ إنجيل اليوم أيها الإخوة الأحبة ليس هو مجردُ مَثلٍ من أمثال يسوع بل هو حدثٌ أخذ حيزاً في المكان والزمان ونقول هذا لأن هذه الكنيسة البيزنطية الأثرية للروم الأرثوذكس هي مبنيّة ومشيّدة على مكان المغارة التي كان يُعزل بها العشرة بُرص في تلك القرية التي كان يسوع ماراً بها عندما كان ذاهباً إلى آوروشليم مُجتازاً في وسط السامرة والجليل. (لوقا 17: 11)   

   إن محبة الله ورحمته التي لا حدّ لها تُعطى وتُمنح لكل إنسان يؤمن بالله، فالعشرة برص كلهم قد صاحوا جميعاً بصوتٍ عظيمٍ قائلين: يَا يَسُوعُ، يَا مُعَلِّمُ، ارْحَمْنَا (لوقا 17: 13). إن هذا الصوت العظيم الذي رفعه البرص كان صوت تضرعٍ وطلب استغاثة حقيقيٌ كما يُفسر القديس ثيوفيلكتس قائلاً: بالرغم من أنهم كانوا بعيدين عن الرب فإن صلواتهم وتضرعهم جعلته، (أي الرب)، يقترب إليهم. وتقترب إليه، (أي للرب)، جميع صلوات البشر الذين يطلبونه بإيمان.

   ويقول القديس متى الإنجيلي وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب. (متى 4: 23).

   لقد طلب العشرة برص رحمة وتحنن ابن الله يَا يَسُوعُ، يَا مُعَلِّمُ، ارْحَمْنَا (لوقا 17: 13) وذلك لأنهم آمنوا ووثقوا به ووضعوا أنفسهم وأملهم في الشفاء بين يديه، وهذا لأن الإنسان الذي مِثْلُ الْعُشْبِ أَيَّامُهُ. كَزَهَرِ الْحَقْلِ كَذلِكَ يُزْهِرُ. (مز102: 13)، عندما يواجه مصاعب ومعضلات صحيّة جسديّة ونفسيّة عصيبة، لا يستطيع أن يَتّكل ويستند على نفسه إذ يرى ذاته أنه ينهار ويتبدد، فهذا الإنسان المُنهار يثق ويؤمن برحمة الله ومحبته للبشر الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ. (1تيموثاوس 2: 4)

   يقول النبي داؤود شاكراً الله بعرفان: أيها الرَبُّ إِلهِي، إليكَ صَرختُ فَشَفَيْتَنِي  . يا رَبُّ، أَصْعَدْتَ مِنَ الْهَاوِيَةِ نَفْسِي. أَحْيَيْتَنِي مِنْ بَيْنِ الْهَابِطِينَ فِي الْجُبِّ. (مزمور 29: 3-4) أي يا ربي وإلهي إليك صرخت في ضعفي ووهني فشفيتني، نعم يا رب لأنك أعدتني إلى الحياة من حافة الجحيم قد نجيتني بعد أن أحصيتني بين الأموات المحمولون إلى القبور.

    فَوَاحِدٌ مِنْهُمْ (أي من البرص) لَمَّا رَأَى أَنَّهُ شُفِيَ، رَجَعَ يُمَجِّدُ اللهَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ شَاكِرًا لَهُ، وَكَانَ سَامِرِيًّا. (لوقا 17: 15-16) أي أجنبي فالسامري كما يفسر القديس كيرلس الإسكندري كان ينحدر من سوريا لهذا فإن الرب قد أطلق عليه الأجنبي أي غريب الجنس. فهذا السامري الأجنبي من جهةٍ قد عبّر عن شكره وعرفانه للمسيح ممجداً الله لشفاء جسده ومن الجهة الأخرى كشفَ عن قوة الإيمان الخلاصية عندما سمع قول المسيح له قُمْ وَامْضِ، إِيمَانُكَ خَلَّصَكَ (لوقا 17: 19).

   وعلى العكس من ذلك فإن نكران الجميل وجحود التسعة البرص الآخرين كما قال الرب «أَلَيْسَ الْعَشَرَةُ قَدْ طَهَرُوا؟ فَأَيْنَ التِّسْعَةُ؟ (لوقا 17: 17). فإنه يظهر من سؤال يسوع أن التسعة الآخرين قد عادوا إلى حالة الخطيئة التي هي مَرَض النفس أو بالأحرى كان يقصد بَرَص النفس وهذا لأن نكران الجميل والجحود هو خطيئة، فهي تتجاهل وتُهمل دور الله المُحسن والمحب البشر، وتُظهر حماقة الإنسان وأنانيته.

   فها أيها الإخوة الأحبة قد تبين لنا لماذا يحث القديس بولس الرسول تلميذه تيموثاوس وليس فقط تلميذه بل جميعنا وَلكِنِ اعْلَمْ هذَا أَنَّهُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ سَتَأْتِي أَزْمِنَةٌ صَعْبَةٌ، لأَنَّ النَّاسَ يَكُونُونَ مُحِبِّينَ لأَنْفُسِهِمْ، مُحِبِّينَ لِلْمَالِ، مُتَعَظِّمِينَ، مُسْتَكْبِرِينَ، مُجَدِّفِينَ، غَيْرَ طَائِعِينَ لِوَالِدِيهِمْ، غَيْرَ شَاكِرِينَ، دَنِسِينَ، (2 تيم 3: 2) ولَهُمْ صُورَةُ التَّقْوَى، وَلكِنَّهُمْ مُنْكِرُونَ قُوَّتَهَا. فَأَعْرِضْ عَنْ هؤُلاَءِ. (2تيم 3: 5)

   ونحن كأعضاء جسد المسيح السري أي كنيسته فإننا نحصل على إحسانات الله والأشفية التي صارت لنا من المسيح كلمة الله المتجسد ومن برص طبيعتنا البشرية كما يقول آباء الكنيسة المتوشحين بالله.

إننا نحصل على الشفاء من أمراضنا النفسية والجسدية في الكنيسة وبالكنيسة إذ أن الكنيسة هي مستشفىً وعيادةً لكل المقبلين إليها والمشاركين في حياتها الليتورجية والأسرارية بخوفٍ وإيمانٍ ومحبةٍ وضميرٍ نقيٍ.

   إن طريقنا أن نعطي مجداً وشكراً لله وأيضاً كما يوصنا القديس الرسول قائلاً: وَأَمَّا الآنَ فَاطْرَحُوا عَنْكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا الْكُلَّ: الْغَضَبَ، السَّخَطَ، الْخُبْثَ، التَّجْدِيفَ، الْكَلاَمَ الْقَبِيحَ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ.لاَ تَكْذِبُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، إِذْ خَلَعْتُمُ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَلَبِسْتُمُ الْجَدِيدَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ، حَيْثُ لَيْسَ يُونَانِيٌّ وَيَهُودِيٌّ، خِتَانٌ وَغُرْلَةٌ، بَرْبَرِيٌّ سِكِّيثِيٌّ، عَبْدٌ حُرٌّ، بَلِ الْمَسِيحُ الْكُلُّ وَفِي الْكُلِّ. (كولوسي 3: 8-11)

آمين

بعد الخدمة قام غبطة البطريرك بتكريس قاعة الكنيسة الجديدة التي بادر وأشرف على بنائها الراهب المتوحد فيساريون مسؤول المزارو وبعدها أعد مأدبة طعام على شرف غبطة البطريرك والوفد البطريركي.

مكتب السكرتارية العام