الإحتفال بعيد القديس سمعان الشيخ القابل للإله

احتفلت الكنيسة الارثوذكسية والبطريركية الأورشليمية يوم السبت 16 شباط 2019 بعيد القديس سمعان الشيخ وهو الذي حمل السيد المسيح على ذراعيه وادخله الى الهيكل قائلا : ” الان تطلق عبدك ايها السيد حسب قولك بسلام”, ويأتي تذكار القديس سمعان الشيخ في اليوم التالي لعيد دخول السيد المسيح الى الهيكل.

في القدس الغربية في حي القطمون هنالك دير تاريخي وكنيسة اثرية باسم القديس سمعان الشيخ وتحتضن هذه الكنيسة ضريحه.
هذه الكنيسة ما زالت صامدة في القدس الغربية رغما عن كل الاحداث التي المت بهذا الشطر من القدس عام 1948. ومن يدخل الى الكنيسة ويلتفت الى قبتها يرى اثار الرصاص التي اخترقت بعض الايقونات القديمة اثر احداث عام 1948

اقيمت خدمة القداس الاحتفالي بمناسبة عيد القديس سمعان الشيخ وذلك في كنيسة القديس سمعان الاثرية في حي القطمون حيث ترأس الخدمة الالهية غبطة بطريرك المدينة المقدسة اورشليم كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث يشاركه كل من : سيادة المطران اريسترخوس السكرتير العام للبطريركية, سيادة متروبوليت كابيتاليس ايسيخيوس, سيادة المطران كيرياكوس متروبوليت الناصرة ، سيادة المطران ميثوذيوس رئيس اساقفة طابور ، وسيادة المطران يواكبم متروبوليت الينوبوليس.
كما وشارك في الخدمة لفيف من الكهنة والشمامسة والرهبان وؤساء الأديرة من اخوية القبر المقدس. وحضر الخدمة القنصل اليوناني العام في القدس وحشد من المصلين من الاراضي المقدسة, رومانيا, قيرص وروسيا واليونان. وفي نهاية القداس القى غبطة البطريرك عظة روحية:

يقول القديس يوحنا الدمشقي مرنم الكنيسة: لينفتحنَّ اليوم باب السماء. فإنَّ الإله كلمة الآب الذي لا بداءَة لهُ قد اتخَّذ بداءةً زمنية. ولم ينفصل عن لاهوته. فتُقَدِّمهُ أمُّهُ العذراءُ باختيارهِ إلى الهيكل الناموسيّ طفلاً ابن أربعين يوماً. فيقبلهُ الكاهن عَلَى ذِراعَيْهِ. ويهتفُ هتاف العبد نحو السيّد قائلاً: “أطلقني يا سيّد لأنَّ عينَيَّ قد أبصرتا خلاصك. فيا من أتى إلى العالمَ ليخلّص جنس البشر. ياربُّ المجدُ لك.

إخوتنا المحبوبون بالرب يسوع المسيح،

أيها المسيحيون الأتقياء والزوار الكرام،

      إن كلمة الله الفائق الجوهر الذي لا يوصف الذي وُلِدَ في مغارةٍ في بيت لحم وأُضجع في المذوذ، قد جمعنا اليوم في هذا الموضع والمكان المقدس حيث كان بيت سمعان الشيخ لكي بفرح وابتهاج نُعيّد لدخول ربنا ومخلصنا يسوع المسيح واقتباله في أحضان الشيخ سمعان.

      إن هذا الحدث العظيم، أي إدخال الطفل يسوع إلى هيكل سليمان من قِبل والديه في النهار الأربعين لولادته بحسب شريعة موسى كما يرويها بتفصيل القديس لوقا الإنجيلي إذ يقول: فَأَتَى “سمعان” بِالرُّوحِ إِلَى الْهَيْكَلِ. وَعِنْدَمَا دَخَلَ بِالصَّبِيِّ يَسُوعَ أَبَوَاهُ، لِيَصْنَعَا لَهُ حَسَبَ عَادَةِ النَّامُوسِ، أَخَذَهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ وَبَارَكَ اللهَ وَقَالَ: الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِنُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ. (لوقا 2: 27-32)

      إن للشيخ سمعان مكانة خاصة بين شخصيات التاريخ المقدس أي الكتاب المقدس وهذا لأنه استحقَّ أن يقتبل بين ذراعيه “الطفل الإلهي يسوع” من يدي والدة الإله الفائقة القداسة الدائمة البتولية مريم.

      وبكلام آخر إن سمعان الذي كان باراً وصدّيقاً، قد استبان شاهداً حقيقياً صادقاً على تجسد وتأنس إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح. لقد جاء سمعان إلى الهيكل مُحَرّكاً من نعمة الروح القدس، ولم يحمل فقط على ذراعيه المسيح ابن الله، بل فتح فاه عارفاً أنه خلاص الله قائلاً: لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. (لوقا 2: 30-31).

      إن خبرة الشيخ سمعان يشهد عليها المزمور قائلاً: النُورٌ أشْرَقَ لِلصِّدِّيقِ (مز 96: 11). فإن ناموس الله هو نورٌ للصديقين، لا يمقتُ إلا الخطيئة إذ يقول القديس كيرلس الإسكندري: إن النور قد أشرقَ أي قد بزغَ أما في الإنسان الصالح والبار فإن النور الإلهي يُشرق على الدوام في قلبه وعقله.

      أَعْلَنَ الرَّبُّ خَلاَصَهُ. لِعُيُونِ الأُمَمِ كَشَفَ بِرَّهُ. (مز 97: 2) يقول صاحب المزمور، أي لقد جعل الله خلاصه ظاهراً أمام كل الشعوب وجعل برّه جليٌّ لجميع البشر بدون استثناء فيقول القديس ثيوذورس كيرو: أي أنه قدم لجميع البشر مشروب الخلاص وعلّمهم مظهراً لهم لجميع الأمم ملكوت بره.

      حقاً لقد أتى الشيخ سمعان إلى الهيكل بقوة وفعل واستنارة الروح القدس كما يشهد بذلك لوقا الإنجيلي وَالرُّوحُ الْقُدُسُ كَانَ عَلَيْهِ. أي على سمعان. (لوقا 2: 25).

      لقد أعلن الروح القدس لسمعان بأنه لن يرى الموت قبل أن يرى السيد الرب والإله الممسوح ملكاً ومخلصاً للعالم. وَكَانَ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ أَنَّهُ لاَ يَرَى الْمَوْتَ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَسِيحَ الرَّبِّ. (لوقا 2: 26).

      وهذا يعني أنه بدون الروح القدس لا نستطيع أن ندرك سر التدبير الإلهي وبالأحرى عمل جسد المسيح السري الخلاصي أي كنيستنا الأرثوذكسية المقدسة. ولا يكشف الروح القدس أسرار الله التي تفوق الوصف لفاتري الإيمان من البشر أو ولأولئك ذوي القلوب الدنسة الآثمة وغير النقية. (رؤيا 3: 16). فاِقْتَرِبُوا إِلَى اللهِ فَيَقْتَرِبَ إِلَيْكُمْ. نَقُّوا أَيْدِيَكُمْ أَيُّهَا الْخُطَاةُ، وَطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ يَا ذَوِي النَّفْسيْنِ. (يعقوب 4: 8)

      وَبَارَكَهُمَا سِمْعَانُ، وَقَالَ لِمَرْيَمَ أُمِّهِ: «هَا إِنَّ هذَا قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ، وَلِعَلاَمَةٍ تُقَاوَمُ. (لوقا 2: 34) إن أقوال الشيخ سمعان النبوية قد تحققت أثناء عمل مخلصنا على الأرض وخاصة في صلبه وقيامته من بين الأموات الذي هو قمة عمله الخلاصي.

    إن ربنا يسوع المسيح الذي هو إنسان تام وإله تام فهو يُشكل من جهة سقطة وعثرة لأولئك المشككين وغير المؤمنين، ومن الجهة الأخرى قيامةً للمؤمنين والواثقين.

      إن تعليم آباء كنيستنا القديسين اللاهوتيين العظماء الذين يُعلّمون بدالة مؤكدين بأن في المسيح طبيعتين، طبيعةً إلهية تامة أي “لاهوت كامل” وطبيعةً إنسانية تامة أي “إنسان كامل”. ومع كل هذا فالطبيعتين اتحدتا في شخصٍ واحدٍ وأقنومٍ واحدٍ وهو لم ينقسم ولم ينفصل إلى شخصين بل واحدٌ هو، وهو نفسه الابن الوحيد الإله الكلمة الذي قال أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ (يوحنا 10: 30). وقد حافظت كلٌ من الطبيعتين على خصائصها في وحدة الشخص.

   وبحسب القديس كيرلس الإسكندري فإن القديس سمعان الشيخ يُسمي الصليب الكريم بالعلامة التي تُقاوَم أو المثيرة للجدل إذ أن الصليب سيجعل الناس ينقسمون، فسوف يراه البعض بشكل إيجابي والآخر سينظر له بشكل سلبي لهذا فإن القديس بولس الرسول يُكرز قائلاً وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ. (1كور 1: 23-24)

      إن كنيستنا المقدسة تدعونا بفم القديس أثناسيوس الكبير أن نتمثل ونقتدي بالبار سمعان الشيخ والقديسة حنة النبيَّة اللذان كانا يتميزان بطهارتهما ووداعتهما وعفتهما واتضاع فكرهما.

    ختاماً نتضرع إلى القديس سمعان الشيخ ومع المرتل نهتف قائلين: كُن إلهي جالياً نور عقلي والبصر، حيث أغدو شادياً بك ما بين البشر.

آمين

وبعد الانتهاء من القداس توجه الجميع الى ساحة الدير حيث اقام الارشمندريت ثيوذوريتوس رئيس الدير ضيافةً بهذه المناسبة.

مكتب السكرتارية العام