الإحتفال بأحد حاملات الطيب والقديس يوسف الرامي في مدينة الرملة

إحتفلت البطريركية الاورشليمية والكنيسة الأورثوكسية يوم الأحد الموافق 12 أيار 2019 بأحد حاملات الطيب والقديس يوسف الرامي (من أريماثيا) الذي طلب من بيلاطس البنطي إنزال جسد السيد المسيح من على الصليب ولفه بكتّان ووضعه في قبر (مرقص 15:43,46).

وبهذه المناسبة ترأس غبطة البطريرك كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث خدمة القداس الالهي الإحتفالي في مدينة الرملة ( أريماثيا القديمة) يشاركة في الخدمة سيادة رئيس أساقفة يافا ذماسكينوس, سيادة رئيس أساقفة قسطنطيني أريسترخوس السكرتير العام للبطريركية, سيادة رئيس أساقفة جبل طابور ميثوذيوس, آباء من أخوية القبر المقدس وكهنة من مدينة الرملة وضواحيها. وحضر القداس الإحتفالي ممثلون عن السفارة اليونانية في تل أبيب وحشد من الرعية الأورثوذكسية في الرملة والبلدان المجاورة. وكان في إستقبال غبطة البطريرك والوفد المرافق له سرية كشافة الرملة الأورثوذكسية والرئيس الروحي لدير الرملة قدس الأرشمندريت نيفون وعدد من الشخصيات من أبناء الرعية الأورثوذكسية في مدينة الرملة.

بعد خدمة القداس أُقيمت الدورة حول الكنيسة, وبعدها أعد قدس الأرشمندريت نيفون والرعية مأدبة غذاء على شرف غبطة البطريرك والسادة المطارنة والآباء والمصلين.

خلال القداس الالهي القى غبطة البطريرك كلمة بهذه المناسبة:

كلمة صاحب الغبطة بطريرك المدينة المقدسة كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث بمناسبة أحد حاملات الطيب في مدينة الرملة

تعريب كلمة البطريرك: قدس الأب الإيكونوموس يوسف الهودلي

فلنبتكرن مدلجين دِلجةً عميقة، ولنقربن للسيد التسبيح النقي عوض الطيب الذكي ونعاين المسيح الذي هو شمسُ العدل مشرقاً الحياة للكل.

أيها الإخوة المحبوبون في المسيح،

أيها المسيحيون الأتقياء،

     إن شمس العدل أي المسيح القائم، مانح الحياة للجميع، قد جمعنا اليوم لكي من جهةٍ نُكرم في هذه المدينة التي ورد ذكرها في الإنجيل آريماثيا “الرملة” مسقط رأس يوسف التقي وتلميذه نيقوديموس، ونكرِم من جهةٍ أخرى ذكرى النسوة الحاملات الطيب.

     إن النسوة الحاملات الطيب هن تلك اللواتي “باكراً جداً” فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ، باكراً جداً، أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ حَامِلاَتٍ الْحَنُوطَ الَّذِي أَعْدَدْنَهُ، وَمَعَهُنَّ أُنَاسٌ. (لوقا 24: 1). وأما يوسف ونيقوديموس هما تلميذيّ يسوع الخفيّين اللذين قاما بدفن جسد المسيح الكريم كما يقول الإنجيلي يوحنا ثُمَّ إِنَّ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ الرَّامَةِ، وَهُوَ تِلْمِيذُ يَسُوعَ، وَلكِنْ خُفْيَةً لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، سَأَلَ بِيلاَطُسَ أَنْ يَأْخُذَ جَسَدَ يَسُوعَ، فَأَذِنَ بِيلاَطُسُ. فَجَاءَ وَأَخَذَ جَسَدَ يَسُوعَ.  وَجَاءَ أَيْضًا نِيقُودِيمُوسُ، الَّذِي أَتَى أَوَّلًا إِلَى يَسُوعَ لَيْلًا، وَهُوَ حَامِلٌ مَزِيجَ مُرّ وَعُودٍ نَحْوَ مِئَةِ مَنًا“(يو 19 :38-39)

     إن النسوة الحاملات الطيب ويوسف التقي ونيقوديموس، تلميذيّ يسوع الخفيّين هم الشهود الصادقين على دفن وقيامة المسيح، لهذا فإن كنيستنا المقدسة تُكرمهم وتُعرضهم لنا لكي تدعونا من خلالهم أن نُشارك في فرح قيامة المسيح مقدمين التسبيح النقي الفصحيّ لإلهنا وسيدنا عوض الطيب الزكيّ.

     وبكلام آخر نحن مدعوون أن نُعاين المسيح الذي هو شمس العدل بعيون نفوسنا الذهنية، وأن نُشارك ليس في الفصح الناموسي الذي كان يٌعيّدُ له شعب العبرانيين عند عبوره البحر الأحمر، بتدخل إلهيّ ليحرره من عبودية المصريين، بل نحن مدعوون أن نُعيّد بحسب القديس غريغوريوس الثيولوغوس بفصح النعمة الإلهية أي قيامة المسيح والتي بها نستطيع العبور من “الموت إلى الحياة ومن الأرض إلى السماء”. ونستطيع بقيامة المسيح أن نُدمج ونُضمُّ بالمسيح القائم. لهذا فإن القديس غريغوريوس اللاهوتي يهتف قائلاً: أيها الفصح الأجل الأقدس يا مطهر العالم كله. وبدون أن نشترك بالمسيح سنبقى أمواتاً بالخطيئة وعبيداً لها إذ يقول القديس غريغوريوس السينائي: إن من لا يرى ولا يسمع ولا يشعر روحياً فهو ميت.

     حقاً أيها الإخوة الأحبة إن الذي يَقبلُ المسيح يحيا في المسيح، كما أكدّ هو قائلاً: مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ. (يوحنا 6: 56) وأيضاً اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ. (يوحنا 3: 6).

     ويُفسر زيغافينوس أقوال الرب هذه ويقول إن الولادة ليست جسدية بل روحية، فالاتحاد الجسدي نشعر بهِ بينما الولادة الروحية ندركها، فلا نحاول أن ندرك بحواسنا الروحيات، ولا أن نفحص بطريقةٍ بشرية الأمور الإلهية.

 

     وبكلام آخر إن قيامة إلهنا ومخلصنا المسيح تخص إعادة ولادتنا كما يقول القديس بولس الرسول: ­ خَلَّصَنَا(المسيح) بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، (تيطس 3: 5). وهذا هو تجديد الروح القدس الذي أعطاه المسيح لأولئك الذين يؤمنون بقيامته كما يقول القديس يوحنا الإنجيلي في رسالته بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نَثْبُتُ فِيهِ (بالمسيح) وَهُوَ فِينَا: أَنَّهُ قَدْ أَعْطَانَا مِنْ رُوحِهِ. (1يوحنا 4: 13). إن آباء اليقظة المتوشحين بالله يشددون أن الإنسان عندما يحوي المسيح القائم بداخله فإن المسيح يصيرُ نفسه الثانية، كما يقول البار نيلوس.

     ولكي يحيا الإنسان هذه الخبرة الروحية ويصير مشتركاً بها، فالإنسان بما أنه مكوّن من جسم ونفس ومن مشاعر وأحاسيس جسدية ونفسية، فهو بحاجة إلى تَطهّر وتنقية كما يوصي القديس يوحنا الدمشقي المرنم بذلك: سبيلنا أن ننقي حواسنا فنعاين المسيح ساطعاً كالبرق بنور القيامة الذي لا يُدنى منه ونسمعه قائلاً علانيةً افرحوا ونحن ناشدون له نشيد النصر والظفر.

     إن النسوة الحاملات الطيب عاينّ بعيونهنّ الروحية والجسدية نور القيامة الذي لا يُسبر غوره أي مجد المسيح ولا سيما أيضاً يوسف ونيقوديموس. لهذا فقد أصبحت النسوة الحاملات الطيب الشاهدات الصادقات بالقيامة، وأما يوسف ونيقوديموس فهما شاهدي الدفن.

     لهذا السبب نفهم لماذا قال كاتب سنكسار الكنيسة قائلاً: في هذا اليوم الذي هو الأحد الثالث من الفصح نُعيّد للنسوة حاملات الطيب القديسات ونكمّل أيضاً ذكر يوسف الرامي الذي كان تلميذاً مخفياً ومعه نيقوديموس التلميذ الليليّ.

     إن النسوة الحاملات الطيب المتأله عقولهن هنّ اللواتي بشّرن تلاميذه بقيامة المسيح كما يقول القديس يوحنا الدمشقي: أيها المسيح إن النسوة المتألهة ألبابهن قد بادرن خلفك بطيوبهن. والذي كن يلتمسنه كمائت وهن باكيات قد سجدن له إلهاً حياً وهن فرحات وبشرن تلاميذك بالفصح السري.

     إن بشارة الفصح السرية أي قيامة المسيح المدعوون نحن أن نؤيدها أيها الإخوة الأحبة متمثلين بالفكر المسيحي للنسوة الحاملات الطيب من الشجاعة والعظمة والمحبة والتكريس اللواتي خَرَجْنَ سَرِيعًا وَهَرَبْنَ مِنَ الْقَبْرِ، لأَنَّ الرِّعْدَةَ وَالْحَيْرَةَ أَخَذَتَاهُنَّ. وَلَمْ يَقُلْنَ لأَحَدٍ شَيْئًا لأَنَّهُنَّ كُنَّ خَائِفَاتٍ. (مرقس 16: 7) وأيضاً بالتلاميذ يوسف ونيقوديموس اللذان أظهرا نفس المحبة والتكريس والشجاعة جَاءَ يُوسُفُ الَّذِي مِنَ الرَّامَةِ، مُشِيرٌ شَرِيفٌ، وَكَانَ هُوَ أَيْضًا مُنْتَظِرًا مَلَكُوتَ اللهِ، فَتَجَاسَرَ وَدَخَلَ إِلَى بِيلاَطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ. (مرقس 15: 43).

إن قيامة المسيح من بين الأموات أيها الإخوة الأحبة ليس هو إلا ملكوت الله والمدعوون نحن إِلَى مَلَكُوتِهِ وَمَجْدِهِ. (1تسالونيك 2: 12). كما يقول القديس بولس الرسول. آمين

المسيح قام…حقا قام

وعلى مائدة المحبة القى غبطة البطريرك خطاباً مام المدعوين:

خطاب صاحب الغبطة بطريرك المدينة المقدسة كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث بمناسبة أحد حاملات الطيب في مدينة الرملة

تعريب كلمة البطريرك: قدس الأب الإيكونوموس يوسف الهودلي

 

 كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ، فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ، هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي حَيَاةٍ جديدة (رومية 6: 3-4)

أيها الإخوة المحبوبون في المسيح

     إن كنيستنا الآوروشليمية المقدسة لها الامتياز المقدس وهو أن تُكرِّم بوقارٍ وإجلال ذكرى النسوة الحاملات الطيب القديسات وتلميذيّ يسوع المسيح الخفيّين نيقوديموس ويوسف في هذه المدينة المباركة آريماثيا أي ما تُعرف اليوم بالرملة.

     إن عيد اليوم الذي هو في الأساس يخص عيد الأعياد وموسم المواسم أي الفصح ليس هو عيدٌ خارجي شكلي بل هو عيدٌ روحيٌ داخلي. لهذا فإن هدف إيماننا المسيحي وحياتنا في المسيح هو هدفٌ واحدٌ فريدٌ وهو أن نقوم مع المسيح القائم. لهذا فإن القديس مكسيميوس المعترف يقول: إن هذا الذي دخل في قوة القيامة السرية قد أدرك بالخبرة لأي سبب كوّن المسيح العالم.

    إن القديس بولس الرسول يدعونا نحن المسيحيون أن نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي حَيَاةٍ جديدة (رومية 6: 3-4). إن هذه الحياة الجديدة في المسيح هي ضرورية إن أردنا أن نهرب من الموت الروحي كما يكرز الحكيم العظيم بولس لأَنَّهُ إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَسَتَمُوتُونَ، وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ. (بولس 8: 13-14)

     إن رسالة وهدف بطريركيتنا الرومية الأرثوذكسية التي هي الكنيسة الآوروشليمية الأرثوذكسية قد كانت وستبقى رسالة الحفاظ وخدمة المزارات والأماكن المقدسة من جهةٍ، والاهتمام الرعوي لأبنائها المسيحيين من جهةٍ أخرى، أي حماية الثقافات والتقاليد وبالأخص الهوية القومية الدينية ونشر بشارة المحبة والبر والسلام لإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح القائم من بين الأموات. آمين

المسيح قام… حقاً قام

مكتب السكرتارية العام