البطريركية الأورشليمية تحتفل بعيد التجلي

 

إحتفلت البطريركية الاورشليمية والكنائس الاورثوذكسية في الاراضي المقدسة يوم الإثنين الموافق 19 آب 2019 بعيد تجلي ربنا ومخلصنا يسوع المسيح على جبل طابور.
” و بعد هذا الكلام بنحو ثمانية ايام اخذ بطرس و يوحنا و يعقوب و صعد الى جبل ليصلي و فيما هو يصلي صارت هيئة وجهه متغيرة و لباسه مبيضا لامعا و اذا رجلان يتكلمان معه و هما موسى و ايليا اللذان ظهرا بمجد و تكلما عن خروجه الذي كان عتيدا ان يكمله في اورشليم و اما بطرس و اللذان معه فكانوا قد تثقلوا بالنوم فلما استيقظوا راوا مجده و الرجلين الواقفين معه و فيما هما يفارقانه قال بطرس ليسوع يا معلم جيد ان نكون ههنا فلنصنع ثلاثة مظال لك واحدة و لموسى واحدة و لايليا واحدة و هو لا يعلم ما يقول و فيما هو يقول ذلك كانت سحابة فظللتهم فخافوا عندما دخلوا في السحاب و صار صوت من السحابة قائلا هذا هو ابني الحبيب له اسمعوا و لما كان الصوت وجد يسوع وحده و اما هم فسكتوا ولم يخبروا احدا في تلك الايام بشيء مما ابصروه”. (لوقا الاصحاح9 28-36).

الاحتفال في جبل طابور

اقيمت صلاة السحر وخدمة القداس الالهي (في منتصف الليل) بعد صلاة السهرانية في باحة دير التجلي في جبل طابور, حيث نُصبت المائدة المقدسة على منصة كما تُجرى العادة, وترأس خدمة القداس الالهي غبطة بطريرك المدينة المقدسة اورشليم كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث شارك في الخدمة اصحاب السيادة المطارنة كيريوس اريسترخوس رئيس أساقفة قسطنطيني السكرتير العام للبطريركية, كيريوس ايسيخيوس متروبوليت كابيتاليس, كهنة الرعية الاورثوذكسية من قرى ومدن الناصرة والجليل وآباء من أخوية القبر المقدس. وقاد خورس الترتيل بالعربية قدس الارشمندريت فيلوثيوس الوكيل البطريركي في مدينة عكا. وحضر عدد كبير من المصلين كما في كل عام من جميع قرى ومدن الجليل ومنطقة الناصرة بالاضافة الى زوار من روسيا, اليونان, رومانيا اوكرانيا وقبرص.

والقى غبطة البطريرك كلمة للمؤمنين بمناسبة هذا العيد:

كلمة البطريرك تعريب :”قدس الأب الإيكونوموس يوسف الهودلي

لقد أخذ المسيح بطرس ويعقوب ويوحنا إلى جبلٍ عالٍ على انفرادٍ. وتجلّى قدّامهم. فأشرق وجههُ كالشمس. وصارت ثيابهُ بيضاءَ كالنور. وظهر موسى وإيليا يتكلّمان معهُ. وظلّلتهم سحابةٌ منيرةٌ. وإذا صوتٌ من السحابة يقول: هذا هو ابني الحبيب الذي بهِ سُررت. فلهُ اسمعوا. هذا ما يتفوهُ بهِ مرنمُ الكنيسة.

 أيّها الإخوة الأحباء،

أيّها الزّوار الأتقياء الحسني العبادة،

      إنّ نعمة الروح القدس قد جمعتنا في هذا المكان والموضع المقدس على جبل ثابور حيثُ وقفت قدما الرب يسوع، لكي نعيّد للتذكار السنوي لحدث تجلي إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح.

إنّ حدث تجلي يسوع المسيح لهُ مكانةً خاصة في سر التدبير الإلهي العظيم، أي محبة الله الآب الفائقة لخلاص الإنسان، وهذا لأن المسيح قد أظهر مجدهُ أمامِ تلاميذُهُ على جبلِ ثابور من جهةٍ، وقد كان هذا قبل آلامه الطوعية بفترةٍ قصيرة، ومن الجهة الأخرى قد كشف ملكوت السماوات للذين يتبعونهُ والمؤمنين بهِ مُعلناً لهم أنهُ هو يسوع المسيح ابن الله، كما يؤكِدُ على ذلك بوضوحٍ مرنمُ الكنيسة: “إنك من قبل صلبك ودفنك الكريَمْين أيها السيّد. أخذت الذين اخترتهم من تلاميذك الأطهار وصعدت بهم على جبل ثابور، مريداً أن تريهم مجدك، فلمَّا أبصروك متجلّياً تسطعُ أبهى من الشمس نوراً، سَقطوا على الأرضِ مُكّبين، وانذهلوا من اقتداركَ وهتفوا قائلين:” أنتَ النورُ الأزليُّ وشعاعُ الآب أيُها المسيح، وإن كنتَ قد تراءَيتَ متجسداً طوعاً بغيرِ استحالة.

     إنّ المجد الذي أظهرهُ المسيح لتلاميذه ليس هو إلا من النور الأزليّ ومن شعاع الله الآب، أي ألوهتهِ المتحدةُ أُقنومياً بجسدهِ، إذ يقولُ الرب:”أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ” (يو 8 :12)، وأما القديس بولس الرسول فيكرِزُ قائلاً:” اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أنشأ الدُّهُور، وَهُوَ ضياءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِه (عب 1 :1-3). وعدا عن هذا فإن الإنجيليين شَهِدوا قائلين:” وَفِيمَا (يسوع) يَتَكَلَّمُ إِذَا سَحَابَةٌ نَيِّرَةٌ ظَلَّلَتْهُمْ، وَصَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلًا: “هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا”. (مت 17 :5).

    إن معنى النورَ الأزليّ أي النور الذي قبل أن يكون أو ما يُعرف بالزمن أي ما هو قبل الدهور أو بالأحرى هو النور الغير المخلوق وهو بحسب القديس بولس الرسول” مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ، الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ (1تيم 6 :16). وهذا يعني أن الله وحدهُ يملك الحياة الأزلية التي لا تموت وهو يسكنُ في نورٍ لا يستطيعُ أحدٌ الاقتراب إليهِ والذي لم يرهُ أحدٌ من البشر ولا يستطيع أحد أن يراهُ لأنه كما يقول الرب في سفر الخروج: «لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ“(خر 33 :20).

     ويهتف المُرنم قائلاً أيضاً: إننا بنورك الذي ظهر اليوم على ثابور أيها الكلمة النور الذي لا يستحيل. المولود من الآب النور الغير المولود. رأينا الآب النور والروح القدس النور الذي ينير الخليقة كلَّها. 

     إن كلمة الله أي المسيح كما يقول المرتل هو “النور الذي لا يستحيل“، وهذا يعني أن المسيح لم يأخذ شيئاً لم يكن له ولم يتحول إلى شيء لم يكن عليه هو من قبل، بل قد أظهر لتلاميذه هذا الذي كان عليه كما يقول القديس يوحنا الدمشقي.

     وبكلامٍ آخر إنّ تلاميذ المسيح الذين كانوا معه في يوم التجلي على جبل ثابور قد استحقوا أن ينالوا خبرة معاينة الله أي رؤية النور الإلهي، نور التجلي، وبحسب القديس يوحنا الذهبي الفم إن التلاميذ قد صاروا معايني ليس لكلَّ ألوهة المسيح، أي النور غير المخلوق الذي لا يُدرك ولا يُسبر غوره، بل قوةً صغيرةً منها بقدر ما كان يستطيع التلاميذ الموجودين رؤيتها وكما يقول مرتل الكنيسة: اليوم أشرق المسيح متلألئاً على جبل ثابور، فكشف للتلاميذ عن صورة الشعاع الإلهي كما وعدهم كشفاً غير جليٍّ. وأيضاً: “لما اتحدّت بالناسوت الطبيعة التي لا تستحيل. كشفتْ للرسل عن نور اللاهوت الغير الهيولي المحجوب. إذ أشرقت تسطع على منوال يُمتنع وصفه. وهذا يعني أن تلاميذ المسيح كانوا أناساً مثلنا (يعقوب 5: 17) وهم لم يروا طبيعة الله الغير المخلوقة والغير المدركة بل قوته غير المخلوقة في الطبيعة البشرية لكلمة الله يسوع المسيح.

     لهذا أيها الإخوة الأحبة علينا أن نُشدد بأن تلاميذ المسيح قد رأوا تجلي المسيح بعد أن تغيروا “تجلّوا” روحياً وهذا يعني أنهم قد نجحوا في تطهير ذواتهم من دنس الخطيئة وبالتالي قد أصبحوا قابلين للاستنارة أو الأجدر بنا أن نقول قد قبلوا قوة الروح القدس المنيرة كما شهد الرب يسوع المسيح قائلاً لهم: وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ. (يوحنا13: 10)

     لهذا فإن ربنا ومخلصنا يسوع المسيح قد قال في عظته على الجبل:” طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ (مت 5: 8) ويفسر القديس كيرلس الإسكندري قول الرب هذا: إن الأنقياء هم أولئك الذين اتحدوا روحياً بالله في المسيح. وقد تخلصوا من ملذات وشهوات الجسد وطردوا بعيداً متاع الدنيا ومطربات العالم ورفضوا أن يحيوا بالطريقة التي يرغبون بها (أي طريقة العالم) وسلموا ذواتهم للروح القدس ليقودهم وهكذا عاشوا بالطريقة التي يريدها المسيح لهم.

     وهذا يعني أيها الإخوة الأحبة أن النور الإلهي والغير المخلوق الذي أضاء على جبل ثابور هو المسيح، وأما السحابة التي ظللت التلاميذ هي حضور الروح القدس، وأن هذه المعاينة أي معاينة النور الإلهي غير المخلوق والسحابة المظللة التي جاء منها الصوت، قد صاروا مساهمين ومشاركين ليس الجميع بل نخبة التلاميذ الذين كانوا موجودين معه على الجبل.

     ختاماً نتضرع نحن المعيدين لسر تجلي ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الذي لا يُفسر لكي يُشرق نور المسيح في قلوبنا وأذهاننا حتى نتغير ونتجلى نحن أيضاً كما أوصانا القديس بولس الرسول قائلاً: وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ. (2كور 3: 18).

آمين

كل عام وأنتم بخير

 

خلال القداس الالهي اشترك المصلون في سر المناولة المقدس لغفران الخطايا والشركة مع المسيح المخلص, وقام غبطة البطريرك بقراءة صلاة العنب حسب الطقس المتبع لهذا العيد.
في الصباح  ترأس سيادة متروبوليت الناصرة كيريوس كيرياكوس خدمة القداس الالهي بمشاركة كهنة الرعية الاورثوذكسية في الجليل  ومن أخوية القبر المقدس.

في الجسمانية

ترأس خدمة صلاة العيد سيادة رئيس أساقفة اللد ذيميتريوس يشاركة عدد من كهنة ورهبان أخوية القبر المقدس بحضور عدد من المصلين والزوار .

في رام الله

اقيمت خدمة القداس الالهي في دير التجلي حيث تراس الخدمة سيادة متروبوليت الينوبوليس كيريوس يواكيم بحضور أبناء الرعية الاورثوذكسية في رام الله, واشترك المصلون في سر المناولة المقدس وفي صلاة العنب حسب العادة. وإستضاف رئيس الدير الأرشمندريت غلاكتيون سيادة المطران والمصلين على مائدة طعام.

مكتب السكرتارية العام