1

رسالةُ صاحبِ الغبطةِ بطريرك المدينةِ المقدسةِ كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالثِ بمناسبةِ عيدِ الميلادِ المجيدِ 2021

اليَوْمَ بِوِلَادَةِ المَسيحِ، اتَّحَدَتْ السَّماءُ والْأَرْضُ،

  اليَوْمَ حَضَرَ الإِلَهُ عَلَى الأَرْضِ وَارْتَقَى الإِنْسانُ إِلَى السَّمَاوَاتِ،

  اليَوْمَ يُرَى غَيْرُ المَنْظورِ بِطَبِيعَتِهِ مَنْظُورًا بِالْجَسَدِ لِأَجْلِ الإِنْسانِ

“استيشرات لتين عيد الميلاد”

تعريب قدس الأب الإيكونومس يوسف الهودلي

        تُعيّدُ كَنيسَةُ المَسيحِ الأُرْثوذُكْسيَّةِ لِهَذَا الحَدَثِ، وَلِهَذَا السِّرِّ اليَوْمَ فِي جَميعِ أَنْحَاءِ المَسْكونَةِ، بِمِلْءِ الفَرَحِ والِابْتِهاجِ وَفِي تَمْجيدٍ وَشُكْرٍ وَخَاصَّةً كَنيسَةَ آورُوشْلِيمَ وَتَحْدِيدًا مَدينَةَ بَيْتَ لَحْم. إِذْ تَحْتَفِلُ بِهَذَا الحَدَثِ الفائِقِ الطَّبيعَةِ لِلِالْتِقَاءِ واتِّحادِ السَّماءِ والْأَرْضِ، وَبِحَقيقَةِ أَنَّ اللَّهَ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ ليُصْعِدَ الإِنْسانَ إِلَى السَّماءِ

        قَدْ تَمَّ هَذَا ” كَمَا عَلِمَ وَكَمَا شَاءَ وَكَمَا ارْتَضَى اللَّهُ “. فَاَلْآبُ سُرَّ، والْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا، وَرَأَيْنَا الإِلَهَ مُتَأَنِّسًا. وَلِمَحَبَّةِ اللَّهِ لِلْإِنْسَانِ اَلَّتِي لَا تُحَدُّ، بِحَسْبِ الرَّسولِ بولُسْ اَلَّذِي عَبْرَ إِلَى السَّماءِ ” لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ“(غل 4: 4-5). وَبِحَسَبِ مُرَنَّمِ الكَنيسَةِ، ” إِنَّ اَلَّذِي وُلِدَ مِنْ اَلْآبِ قَبْلَ كَوْكَبِ الصُّبْحِ بِلَا أَمٍّ تَجَسَّدَ اليَوْمَ مِنْ البَتولِ عَلَى الأَرْضِ بِلَا أَبٍ. وَاَلْكائِنُ قَدْ صَارَ مِنْ أَجْلِنا مَا لَمْ يَكُنْ. الِابْنُ الوَحيدُ وَكَلِمَةُ اللَّهِ صَارَ أَيْضًا ابْنَ الإِنْسانِ، مِنْ الرّوحِ القُدْسِ وَاَلْعَذْراءَ مَرْيَمَ، إِلَهًا مُتَأَنِّسًا فِي أَقْنومٍ واحِدٍ وَطَبيعَتِين. لَقَدْ افْتَقَرَ لِأَجَلِنا لِنَغْتْنِيَ نَحْنُ، أَفْرَغَ ذاتَهُ لِنَمْتْلِئَ نَحْنُ، تَنازَلَ نَحْوَنا لِكَيْ نَرْتَفِعَ نَحْنُ، أَصْبَحَ طِفْلًا لِأَجَلِنا لِكَيْ نَكونَ بالِغينَ.  إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ، إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ (أف 4: 13). وَوَفْقًا لَأَثْنَاسِيُوسْ الكَبيرِ: ” لَقَدْ ظَهَرَ لَنَا فِي جَسَدٍ بَشَريٍّ مِنْ أَجْلِ خَلاصِنا (فِي التَّجَسُّدِ، PG 1، ص 228.( وَبِحَسَبِ القِدّيسِ يُوحَنَّا الذَّهَبيِّ الفَمِ: ” اَللَّهُ غَيْرُ المَوْصوفِ ، غَيْرُ المُعَبَّرِ عَنْهُ ، غَيْرُ المَفْهومِ ، اَلَّذِي يُسَاوِي اَلْآبَ ، قَدْ اجْتَازَ مِنْ رَحِمِ عَذْراءَ ، وَتَعَطَّفَ لِيولَدَ مِنْ امْرَأَةٍ (العظة 2، من إنجيل متى).

      قَبْلَ مُعايَنَةِ هَذَا السِّرِّ، فَإِنَّ مُرَنَّمَ الكَنيسَةِ يَهْتِفُ بِانْدِهاشٍ: ” إِنَّنِي أُشاهِدُ سِرًّا غَرِيبًا بَاهِرًا، المَغَارَةَ سَماءً وَاَلْعَذْراءَ عَرْشًا شاروبِيمْيًا والمَذوِدَ مَحَلًّاً شَرِيفًا أُضْجِعَ فِيه المَسيحُ الإِلَه غَيْرُ اَلْمَوْسوعِ فِي مَكانٍ، فَلْنُسبحْهُ مُعْظَمينَ. فِي الواقِعِ تَشَبَّهَتِ المَغَارَةُ بِالسَّمَاءِ، فَفِي مَغارَةِ بَيْتَ لَحْمَ اليَهوديَّةَ، وَفِي هَذَا الوَقْتِ، وَتَحْدِيدًا خِلالَ حُكْمِ أُوكْتَافِيُوسْ أُوغَسْطِسْ قَيْصَرَ، أَعْلَنَ اللَّهُ ذاتَهُ لِلْبَشَرِ فِي المَسيحِ بِالْجَسَدِ. فَاَلَّذِي لَا بَدْءَ لَهُ يَتَّخِذُ بِدايَةً، وَغَيْرُ المَنْظورِ يُشَاهَدُ. وَيَكْشِفُ اللَّهُ لِلْبَشَرِ تَجَسّدَ ابْنِهِ مِنْ خِلالِ عَناصِرِ الطَّبيعَةِ. فَنَجْمٌ بَهيٌّ ” مَسيرٌ مِنْ اللَّهِ ” يَقودُ المَجُوسَ مُلوكَ الفُرْسِ عُلَماءَ وَمُسْتَكْشِفي الكَوْنِ، جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ الصَّبيُّ. إِنَّ هَذَا الظُّهورَ العَجيبَ قَدْ أُعْلِنَ أَيْضًا عَبْرَ مَلائِكَتِهِ اَلَّذِينَ هَلَّلوا مُسَبِّحينَ: الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَفي أنَّاسِ الْمَسَرَّةُ دَاعِينَ بِهَذَا العُمّالَ الكَادِحِينَ، أَيْ الرُّعاةَ اَلْساهِرينَ عَلَى رَعيَّتِهِمْ. فَدَعَا اللَّهُ الرُّعاةَ والْمَجوسَ كَشُهودٍ وكارِزينَ، كَمُعاوِنينَ وَمُشَارِكِينَ فِي عَمَلِهِ. وَقَدْ اسْتَجَابُوا لِلدَّعْوَةِ الإِلَهيَّةِ، مُنَحَّنينَ وَساجِدينَ لِما أَبْصَروا المُنَزَّهَ عَنْ الزَّمانِ طِفْلًا مَوْضُوعًا فِي المَغَارَةِ فَعَرَفوا وَبَشِّروا وَأَذاعوا السِّرَّ اَلَّذِي رَأَوْهُ. الرُّعاةُ فِي بَلْدَتِهِمْ، والْمَجوسُ رَجَعُوا إِلَى بَلَدِهِمْ بابِلَ، بَعْدَ أَنْ هَرَبوا مِنْ ” هِيرُودِسْ المِهْذارِ ” 

         إِنَّ اَلْتَأْنَسَ وَميلادَ المَسيحِ بِحَسَبِ الجَسَدِ اَلَّذِي نَسْجُدُ لَهُ، مُنْتَظِرينَ ظُهورَهُ الاَلَهيِّ المُقَدَّس، مَا هوَ فَقَطْ إِلَّا بِدايَةَ أَسْرارِ اللَّهِ الخِّلاصيَّةِ لِلْإِنْسَانِ. إِنَّ تَسَلْسُلَ الأَحْداثِ الخِّلاصيَّةِ هَذَا، هوَ عَمَلُ المَسيحِ بِأَكْمَلِهِ، اَلَّذِي بَدَأَهُ عَلَى الأَرْضِ ” كَرَسولِ الرَّأْيِ العَظيمِ لِلهِ” إِنَّ رَبَّنا يَسُوعَ المَسيح قَدْ جَاءَ مِنْ اَلْآبِ ، وَعَاشَ عَلَى الأَرْضِ وَخَالَطَ النّاسَ ، وافْتَتَحَ وَأَسَّسَ وَثَبَتَ عَلَى الأَرْضِ مَمْلَكَةَ اللَّهِ وَمَلَكوتَهُ حيث تكون واحِدَةً معَ جَسدِ المَسيحِ اَلَّتِي هِيَ الكَنيسَةُ ، تَسْتَمِرُ الكَنيسَةُ وَتواصِلُ عَمَلَ المَسيحِ أَيْ عَمَلَ المُصالَحَةِ وَالتَّعَايُشِ السِّلْميِّ والْمَحَبَّةِ بَيْنَ النّاسِ . لَقَدْ أَسَّسَ الرَّبُّ المُتَجَسِّدُ هَذَا اَلْعَمَلَ بِتَعَالِيمِهِ وَدَمِهِ مِنْ خِلالِ ذَبيحَتِهِ عَلَى الصَّليبِ. وَشَيَّدَ عَمَلَ التَّقْديسِ وَمَغْفِرَةَ الخَطَايَا، وَالتَّعْلِيمَ وَتَهْذيبَ وَتَجْمِيلَ أَخْلاقِ النّاسِ. ابْتَدَأَ المَسيحُ مِنْ بَيْتَ لَحْمٍ مِنْ هَذِهِ المَغَارَةِ، فَقَدْ أَسَرَ المَسيحُ أَوْ _ بِالْأَحْرَى _ اصْطَادَ الكَوْنَ بِأَسْرِهِ، من دونِ جَيْشٍ، وَدونِ أَسْلِحَةٍ، وَلَكِنْ فَقَطْ مِنْ خِلالِ الرُّسُلِ الأُمِّيِّينَ الِاثْنَيَّ عَشَرَ فِي العالَمِ، اَلَّذِينَ تَعَلَّموا بِالرُّوحِ القُدْسِ. إِنَّ الكَنيسَةَ كَمَلَكوتِ اللَّهِ عَلَى الأَرْضِ تَنْمو وَتَتَكاثَرُ وَتَتَعاظَمُ بِصَمْتٍ، من دونِ تَجْنيدِ أَتْباعٍ، وَلَكِنْ بِانْضِمَامِ أَعْضَائِهَا لَهَا مِنْ خِلالِ المَعْموديَّةِ.

       وَرَأْسُ الكَنيسَةِ هوَ الرَّبُّ الْمُتَأَنِّسُ مُخْلِصُ العالَمِ. وَطَالَمَا أَنَّ البَشَريَّةَ لَا تُتْبِعُ وَلَا تَسيرُ بِرِسالَةِ المَسيحِ المَلِكَ المَوْلودِ، فَإِنَّ حَياتَها سَتُصْبِحُ جَحِيمًا، بِمَعارِكَ وَحُروبٍ وَمَظالِمَ، وَهُوَ مَا نَرَاه أَحْيَانًا فِي يَوْمِنَا هَذَا، وَلَكِنْ إِنْ اقْتَبَلَتْ البَشَريَّةُ رِسالَةَ المَسيحِ وَطَبَّقَتْهَا، فَإِنَّ حَياتَها سَتَتَحَوَّلُ إِلَى فِرْدَوْسٍ.

      لَا تَزَالُ كَنيسَةُ أورْشَليمَ تَعْمَلُ دُونَ تَوَقُّفٍ مُنْذُ تَأْسيسِها في هذا العَمَلِ الرِّعَائِيِّ والتَّقْديسيِّ، والْمُصالَحَةِ، وَحِفْظِ الأَمَاكِنِ المُقَدَّسَةِ والسَّلامِ، فِي أَرْضِ النِّعْمَةِ. والْيَوْمَ، مِنْ مَكانِ مِيلَادِ مُؤَسِّسِها بِالْجَسَدِ، فِي بَيْتَ لَحْمِ المُقَدَّسَةِ، فِي المَغَارَةِ القابِلَةِ الإِلَهَ وَفِي كَنيسَةِ المَهْدِ المَلَكيَّةِ هَذِهِ اَلَّتِي مِنْ عَهْدِ اَلْإِمْبِراطوريّينَ قُسْطَنْطينَ وَيُوسْتِينْيَانُوسْ، و َمِنْ هَذَا الْمَكَانِ الْمُقَدَّسِ، تُصَلِّي مِنْ أَجْلِ السُّلَّامِ وَالْاِزْدِهَارِ، فِي الْعَالَمِ كَلِّهِ وَخَاصَّةً فِي الشَّرْقِ الْأوْسَطِ، وَتَحْرِيرِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْمَنْكُوبَةِ مِنَ الطَّفْرَاتِ الْوَبَائِيَّةِ الْمُعَدِّيَّةِ، وَتَتَمَنَّى فِي عِيدِ مِيلَاَدِ الْمَسِيحِ التَّوْفِيقَ وَالسَّعَادَةَ لِرَعَيْتِهَا عَلَى هَذِهِ الْأرْضِ وَفِي كُلِّ أرْضٍ، وَلِزُوَّارِهَا الْأَتْقِيَاءِ، أَنْ يَحْمِيَهُمْ جَمِيعًا ويَهِبَهُم السَّلَاَمَ وَالْاِسْتِقْرَارَ وَالصِّحَّةَ وَالْعَافِيَةَ وَالْعُمْرَ الْمَدِيدَ وَكُلَّ بَرَكَةٍ سَمَاوِيَّةٍ.

آمين.

فِي مَدينَةِ بَيْتَ لَحْمَ المُقَدَّسَةِ

عِيدِ المِيلَادِ المَجِيدِ 2021

الدّاعي لَكُمْ بِحَرَارَةٍ لِلرَّبِّ

ثِيُوفِيلُوسْ الثّالِثِ

بَطْريَرْكِ أُورُوشْليم




«شخصيات الخوزيفا»

تحت العنوان أعلاه قام قدس الأرشمندريت قسطنطين بيراماتزيس الرئيس الروحي لدير الخوزريفا بإصدار كتابه الذي من خلاله يعرض حياة آباء دير الخوزيفا الذين عاشوا في القرن التاسع عشر حتى أيام المتوحد المرحوم الراهب أمفيلوخيوس والراهب أنطونيوس والمتوحد الراهب جيرمانوس الذي أنهى بناء مجاز الكنيسة في الدير والذي قُتل غدراً على يد مجهولة. قدس الأرشمندريت قسطنطين قام بتوزيع الكتاب على أعضاء المجمع الأورشليمي المقدس الذين باركوا العمل في الجلسة التي إنعقدت بتاريخ 24 أيار 2021 برئاسة غبطة البطريرك كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث.

 

فهرس الكتاب

بركة غبطة بطريرك المدينة المقدسة أورشليم كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث لإصدار الكتاب                  صفحة 7

المقدمة                                                                                                                                    صفحة 9

حياة آباء الخوزيفا

المتوحدان اليكسيوس ويوستينوس الخوزيفيان والراهب فارسانوفيوس الخوزيفي                                         صفحة 15

الراهب كالينيكوس الخوزيفي                                                                                                             صفحة 25

القديس سابا الخوزيفي                                                                                                                     صفحة 47 

الراهب المتوحد ماليكصادق الخوزيفي                                                                                                  صفحة 95

القديس الجديد يوحنا الخوزيفي                                                                                                           صفحة 111

الراهب المتوحد جبرائيل الخوزيفي                                                                                                    صفحة  143

الراهب المتوحد أمفلوخيوس                                                                                                             صفحة 163

الراهب بولس الخوزيفي                                                                                                                   صفحة 223

الراهب المتوحد يوانيكيوس                                                                                                                صفحة 231

الراهب المتوحد أنطونيوس                                                                                                                 صفحة 257

الراهب المتوحد جيرمانوس الخوزيفي                                                                                                   صفحة 347

 

مكتب السكرتارية العامة

 

 




رسالة مفتوحة من غبطة البطريرك ثيوفيلوس الثالث

 

وحدتنا الأرثوذكسية هي صلاتنا اليومية

 

إخوتي الأعزاء، إخواني الزملاء والمُحبون في الرب يسوع المسيح،

في مثل هذا الأسبوع قبل عام، اجتمعنا في المملكة الأردنية الهاشمية، بهدف بناء زمالة مشتركة للسعي من أجل وحدة الكنائس الأرثوذكسية. وبعد مرور يومين من الصلاة والمناقشة الأخوية، خرجنا بقرار للسعي لتعزيز أواصر تواصلٍ أعمق، والتصدي لتحدياتنا المشتركة معًا.

لم يدر ببال أي أحد منا أننا كنا على أعتاب كارثة صحية عالمية لم نشهد حجمها في حياتنا. وهنا نتذكر أيضاً أخونا الراحل البطريرك إيريني، رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الصربية، الذي كان معنا في الأردن وهو الآن في حضن الله. نسأل الله أن يريح نفسه مع القديسين في مكان النور والراحة الأبدية. نحن نصلي كل يوم، ونتذكر كل واحد فيكم، ونقدم تسبيحاتنا وشكرنا وشفاعتنا، ونعلم أن نعمته تكفينا، الذي تكمل قوته في ضعفنا  (2 كورنثوس 12:9).

لقد تطلب هذا الوباء منا جميعًا أن ننظر إلى مجتمعاتنا، أولئك الذين دعانا الله لخدمتهم، لنرفع قلوبهم من اليأس ونوجههم إلى الرب الذي يمنحنا الأمل، لأننا نعلم أن المسيح مات لأجلنا ونحن ما زلنا خطأة. وبالتأكيد بعد أن تبررنا بدمه، سوف نخلص بواسطته من غضب الله “وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا.” (رومية 5:8-9).

هنا في مدينتنا المقدسة، انتم تمنحونا القوة بصلواتكم. كما حصل في جميع أنحاء العالم تباعاً، فقد عانى إخواننا في الأرض المقدسة من مشقات مشابهة بسبب الوباء. نطلب منكم الاستمرار في الصلاة من أجلنا، كما نصلي نحن من أجلكم باستمرار من قبر الخلاص، قبر سيدنا المسيح مانح الحياة.

 إن الله رحيم، وقد أعطى مخلوقاته المعرفة والمهارة لتطوير الأدوية واللقاحات لإنهاء هذا الوباء القاتل. وفيما نتطلع لأيام أكثر إشراقًا هذا العام، فإننا نتذكر التزامنا المشترك لنجتمع للصلاة والأخوة. ندعو الله أن يكون هذا ممكنًا في وقت لاحق من هذا العام.

دعونا نستمر في دعم بعضنا البعض من خلال الصلاة، وفي البحث عن طرق تمكين الكنائس الأرثوذكسية الى جلب الأمل والبركة والفرح لبعضها البعض. لأنه وكما يقول القديس بولس الرسول، “اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ، وَهكَذَا تَمِّمُوا نَامُوسَ الْمَسِيحِ.” (غلاطية 6: 2). نلتقي معًا في الصلاة من أجل أخينا، قداسة البطريرك برثلماوس، وَرِفاقِنا رؤساء الكنيسة الأرثوذكسية، ونتطلع للعمل معًا لتعزيز وحدة شراكتنا الأخوية.

وكما نبدأ التحضير لفترة ما قبل الصوم الأربعيني لعيد الفصح العظيم، نستمع إلى هذه الكلمات من ترانيم التريوديون:

أيها الإخوة، دعونا لا نصلي مثل الفريسي، لأن الذي يرفع نفسه يتواضع. دعونا نتواضع أمام الله، وبصومنا نصرخ بصوت عالٍ مثل العشار: ارحمني يا الله، أنا الخاطئ. (من صلاة غروب أحد الفريسي والعشًّار)

 

بالمحبة الأخوية في المسيح.




ألإحتفال بعيد النبي أيليا التسبيتي (مار الياس) في البطريركية

إحتفلت البطريركية الاورشليمية يوم الاحد الموافق 2 آب ٢٠٢٠ بعيد النبي ايليا واقيمت خدمة القداس الالهي بهذه المناسبة في دير النبي ايليا الواقع على الطريق ما بين القدس وبيت لحم.

هذه الكنيسة القديمة مبنية في المكان الذي هرب اليه النبي ايليا من وجه الملك آخاب وزوجته ايزابيل اللذان ارادا ان يقتلانه بعدما سمع الله صلاته وتحدا ايليا انباء البعل وانزل ناراً من السماء واكلت ذبيحة التقدمة التي قدمها على جبل الكرمل.

“وأخبر أخآب إيزابل بكل ما عمل إيليا، وكيف أنه قتل جميع الأنبياء بالسيف فأرسلت إيزابل رسولا إلى إيليا تقول: هكذا تفعل الآلهة وهكذا تزيد، إن لم أجعل نفسك كنفس واحد منهم في نحو هذا الوقت غدا فلما رأى ذلك قام ومضى لأجل نفسه، وأتى إلى بئر سبع التي ليهوذا وترك غلامه هناك
ثم سار في البرية مسيرة يوم، حتى أتى وجلس تحت رتمة وطلب الموت لنفسه، وقال: قد كفى الآن يارب. خذ نفسي لأنني لست خيرا من آبائي واضطجع ونام تحت الرتمة. وإذا بملاك قد مسه وقال: قم وكل فتطلع وإذا كعكة رضف وكوز ماء عند رأسه، فأكل وشرب ثم رجع فاضطجع ثم عاد ملاك الرب ثانية فمسه وقال: قم وكل، لأن المسافة كثيرة عليك
فقام وأكل وشرب، وسار بقوة تلك الأكلة أربعين نهارا وأربعين ليلة إلى جبل الله حوريب .ودخل هناك المغارة وبات فيها. وكان كلام الرب إليه يقول: ما لك ههنا يا إيليا”
(سفر الملوك الاول اللاصحاح التاسع عشر)

ترأس خدمة صلاة غروب العيد سيادة رئيس أساقفة نهر الأردن ثيوفيلاكتوس, فيما ترأس خدمة القداس الالهي الإحتفالي صباح يوم العيد غبطة بطريرك المدينة المقدسة اورشليم كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث يشاركة في الخدمة سيادة رئيس أٍساقفة قسطنطيني اريسترخوس السكرتير العام للبطريركية, سيادة رئيس أساقفة جبل طابور ميثوذيوس, سيادة متروبوليت إلينوبوليس يواكيم, وعدد محدد من الكهنة وأباء أخوية القبر المقدس، وبحضور فقط عشرين مصليا وفقا لتعليمات الوقاية من جائحة كوفيد ١٩. ورتل سيادة رئيس أساقفة مادبا اريسطوفولوس باللغة اليونانية وجوقة كنيسة القديس يعقوب أخو الرب باللغة العربية.

بعد القداس استضاف رئيس الدير الارشمندريت باييسوس الحضور في قاعة الدير وأعد مأدبة طعام على شرف غبطة البطريرك والوفد المرافق له.

كلمة صاحب الغبطة بطريرك المدينة المقدسة
كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث
بمناسبة عيد القديس النبي إيليا التسبيّ 2/8/2020

تعريب: قدس الأب الإيكونوموس يوسف الهودلي

يصدح مرنم الكنيسة قائلاً: لقد أصبح التسبيُّ معايناً لله. فأبصر مع موسى ما لم ترَهُ عينٌ ولم تسمع بهِ أذنٌ. ولا خطر على قلب أحدٍ من بني البشر الأرضيّين. فإنه أبصر على جبل طابور الرب الضابط الكل المتجسّد.

أيها الإخوة المحبوبون في المسيح،
أيها المسيحيون الأتقياء،

إن الذكرى الإلهية الموقرة للقديس المجيد النبي إيليا التسبي قد جمعتنا اليوم في هذه الكنيسة المقدسة التي تحمل اسم النبي إيليا، لكي نسبح داؤودياً ونكرمَ بشكرٍ تذكار عيده المقدس.

إن وجود القديس النبي إيليا ورسالته النبوية الفاعلة كانت في حقبةٍ زمنيةٍ حرجةٍ وصعبةٍ للغاية، فشعب الله الذي استلم الناموس الموسوي على جبل سيناء، ابتعد عن الإيمان السليم والصحيح وابتعد عن عبادة وديانة التوحيد الأخلاقي الُمعلَنِ عنها وسار في ضلالة الأوثان مع مجموعة من المعتقدات المختلفة.

ويصف بدقة القديس يوحنا الذهبي الفم الصورة المظلمة القاحلة لتحول وانحراف شعب العهد القديم عن طريق المعرفة الإلهية الحقيقية وخروجهم عن العبادة الطاهرة، إذ يقول: قد كان ليلٌ وظلمة في المسكونة كلها وغيمة كثيفة غطت جميع المسكونة، لأن الجميع قد سار في الشر والمسكونةُ كلها غارقة ولكن ليس في الماء بل في الخطيئة والشهوة.

إن إيليا المتأله قد لُقِبَ بحقٍ “الغيور” كما يشهد بالحقيقة القديس الذهبي الفم عنه أنه قد سَكِرَ فعلاً بالغيرة. فقد اكتسب النبي إيليا غيرته العظيمة لله لأنه كان سامعاً من جهةٍ لوصية الله أنّ تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ. (تثنية 6: 5)، ومن جهةٍ أخرى لأنهُ مصغياً للأقوال الداؤودية يَا رَبُّ، مَنْ يَنْزِلُ فِي مَسْكَنِكَ؟ مَنْ يَسْكُنُ فِي جَبَلِ قُدْسِكَ؟ السَّالِكُ بِالْكَمَالِ، وَالْعَامِلُ الْحَقَّ، وَالْمُتَكَلِّمُ بِالصِّدْقِ فِي قَلْبِهِ.الَّذِي لاَ يَشِي بِلِسَانِهِ، وَلاَ يَصْنَعُ شَرًّا بِصَاحِبِهِ، وَلاَ يَحْمِلُ تَعْيِيرًا عَلَى قَرِيبِهِ. (مزمور 14: 1-3).

إن الطاعة الذاتية وغير المشروطة لإيليا المتأله اللب لإرادة الله قد أوضحتهُ “رجل الله”، لهذا فقد خُصصَ له رسالةً إلهية لإيقاظ الناس وحثهم على التوبة وعودتهم لقادتهم الدينية السياسية.

إن هذه الرسالة النبوية “رسالة التوبة واليقظة” هي نشاط إيليا النبي الغيور والتي كانت تهدف للحفاظ على قسم الله لإبراهيم وللموعد والعهد الذي قسمه الله لآبائنا (أعمال 3: 25). وبمعنى آخر إن رسالة إيليا التسبي كانت تهدف الى تذكير الِوَرَثَةِ بالْمَوْعِدِ وعَدَمَ تَغَيُّرِ قَضَاء “الله”(عب 6: 17). ومن الواجب أن يعرف أن ورثة الموعد هما كلا شعبي العهدين القديم والجديد بحسب القديس بولس الرسول إذ يقول فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ الْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ (غلا 3: 29). وبحسب تفسير زيغافينوس لما سبق: أننا نحنُ نعتقد أن وارثي الموعد أو بالأحرى بحسب الظاهر هو شعب العهد القديم ولكن عقلياً وذهنياً هو الشعب الجديد وذلك لأن زرع إبراهيم الطبيعي الذي من نسله هو شعب العهد القديم وأما النسل الروحي الذي بحسب الإيمان هو شعب العهد الجديد الذي يشبهُ إبراهيم بإيمانهِ.

وقد أصبح من الواضح أن شخصية إيليا البارزة والنبوية أي نشاطه وكرازته سببها العمل والثاوريا أي العمل والفعل وما يشهد عليه في العهد القديم ولا سيما العهد الجديد. وأما في العهد الجديد فإن إيليا التسبي يظهر مع النبي موسى في حدث تجلي مخلصنا المسيح على جبل ثابور، إذ قد كان شاهداً ومتحدثاً مع المسيح وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ. (متى 17: 3) وغير ذلك فقد ذكر القديس يعقوب أخو الرب مشيراً عن قوة صلاة الأبرار إلى الله والدالة التي لهم، فقال عن إيليا النبي كَانَ إِيلِيَّا إِنْسَانًا تَحْتَ الآلاَمِ مِثْلَنَا، وَصَلَّى صَلاَةً أَنْ لاَ تُمْطِرَ، فَلَمْ تُمْطِرْ عَلَى الأَرْضِ ثَلاَثَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ. (يعقوب 5: 17)

وأما في العهد القديم فإن إيليا النبي يظهر إناءً مختاراً لله مساوياً لرسول الأمم بولس، إذ أن فعل وقوة إيمانه وغيرته المتقدة وأعماله العجائبية يصفها بدقة في كاتب سفر سيراخ المقدس وَقَامَ إِيلِيَّا النَّبِيُّ كَالنَّارِ، وَتَوَقَّدَ كَلاَمُهُ كَالْمِشْعَلِ. بَعَثَ عَلَيْهِمِ الْجُوعَ، وَبِغَيْرَتِهِ رَدَّهُمْ نَفَرًا قَلِيلًا. أَغْلَقَ السَّمَاءَ بِكَلاَمِ الرَّبِّ، وَأَنْزَلَ مِنْهَا نَارًا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.مَا أَعْظَمَ مَجْدَكَ، يَا إِيلِيَّا، بِعَجَائِبِكَ، وَمَنْ لَهُ فَخْرٌ كَفَخْرِكَ؟ أَنْتَ الَّذِي أَقَمْتَ مَيْتًا مِنَ الْمَوْتِ وَمِنَ الْجَحِيمِ، بِكَلاَمِ الْعَلِيِّ. وَأَهْبَطْتَ الْمُلُوكَ إِلَى الْهَلاَكِ، وَالْمُفْتَخِرِينَ مِنْ أَسِرَّتِهِمْ. وَسَمِعْتَ فِي سِينَاءَ الْقَضَاءَ، وَفِي حُورِيبَ أَحْكَامَ الاِنْتِقَامِ. وَمَسَحْتَ مُلُوكًا لِلنِّقْمَةِ، وَأَنْبِياءَ خَلاَئِفَ لَكَ. وَخُطِفْتَ فِي عَاصِفَةٍ مِنَ النَّارِ، فِي مَرْكَبَةِ خَيْلٍ نَارِيَّةٍ. وَقَدِ اكْتَتَبَكَ الرَّبُّ لأَقْضِيَةٍ تُجْرَى فِي أَوْقَاتِهَا، وَلِتَسْكِينِ الْغَضَبِ قَبْلَ حِدَّتِهِ، وَرَدِّ قَلْبِ الأبِ إِلَى الاِبْنِ، وَإِصْلاَحِ أَسْبَاطِ يَعْقُوبَ، طوبى للذين عاينوك، وللذين رقدوا في المحبة، فإننا نحن أيضًا بالتأكيد سنحيا. (حكمة سيراخ 48: 1-11).

وفي المديح اللائق للقديس النبي إيليا التسبي من سيراخ المتأله اللب يعلق الأب يوئيل ياناكوبولوس على آخر فقرة من الدعاء فإننا نحن أيضًا بالتأكيد سنحيا فيقول علينا أن نُدرِكَ نحنُ أن الذين سيرقدون رقاد الأبرار في آخر الأيام، سيكونون متهيئين ومتحضرين بكرازة إيليا، لهذا فهم سيرقدون بسلام وسيقومون مباشرة في ذلك الزمن عند دينونة العالم وسيحيون إلى الأبد.

مكتب السكرتاريه العامة

 
 



بيان صاحب الغبطة بطريرك المدينة المقدسة اورشليم كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث حول آجيا صوفيا

 
 
 
أصدر غبطة البطريرك كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث يوم الأربعاء الموافق 8 تموز 2020 البيان التالي فيما يخص الحفاظ على وضع كنيسة آجيا صوفيا:
 
إننا نعبر ببالغ الجدية عن قلقنا إزاء الدعوات الأخيرة التي وجهها أعضاء الحكومة التركية لتغيير الوضع الحالي لآجيا صوفيا من متحف إلى مسجد.
هذه الكنيسة البيزنطية الرائعة البناء، والتي تأسر العالم بأسره حتى اليوم، لها تاريخ يمتد في العالم المسيحي لأبعد من القرن السادس. على مر الأجيال، مرت المنطقة وشعبها بأوقات عصيبة تركت ذكريات مؤلمة. ومع ذلك ، فقد كانت تركيا لما يقارب المائة عام ضامنة لبقاء كنيسة آجيا صوفيا كمتحف من أجل الحفاظ على قدر من الحياد, وبالتالي فإن الناس من جميع أنحاء العالم ومن جميع الخلفيات يمكنهم الاستمتاع بروعتها الروحية والمعمارية والتاريخية.
 
علاوة على ذلك، وضع آجيا صوفيا كمتحف وأمكانية الوصول اليه قد أثمر بنتائج في الوقت الذي كان من الممكن أن يكون هناك خلاف آخر. آجيا صوفيا لا تزال اليوم رمزا للتسامح. قد يجد البعض الانتعاش الروحي داخل جدرانها، البعض الآخر قد يستوحى من زمنها الإنجاز البشري، والبعض الآخر قد ينظر إليها من خلال مدلول بنائها الفريد. 
ومع ذلك، فإن هذه النتائج تحقق أفضل إنصاف ممكن، الذي بلا شك يهدف دائمًا إلى إلهام رائع وإلى تمجيد الله القادر على كل شيء.
 
 
بصفتنا رعاةً للتراث المقدس في أورشليم والأراضي المقدسة، لمدة تقارب الألفي سنة متواصلة، في أرض يقيم عليها أتباع الإيمان الإبراهيمي الثلاثة على قدم المساواة  فإننا نشهد بقوة على أن إمكانية الوصول الى تعزيز السلام والاحترام المتبادل، في حين أن المواقف الحصرية والأنفرادية تعزز الصراع والمرارة.
 
نأمل ونصلي، من أجل منفعة جميع الناس ذوي النوايا الحسنة، ومن أجل تركيا كدولة لديها القدرة على التأثير في منطقتنا بأكملها على طريق النمو والتعايش المتبادل، ذلك باحترام الوضع الحالي لآجيا صوفيا والمحافظة عليها.
 
ثيوفيلوس الثالث
بطريركية المدينة المقدسة أورشليم
 
مكتب السكرتارية العامة